عندما أفكر في عدد الكتب التي مررت عليها خلال بحثي عن كتاب جيد، في مكتبات الشوارع والمراكز التجارية، في مكتبات القاهرة ودبي وبيروت والدار البيضاء والإسكندرية، ولندن وواشنطن، أجد أن هناك نوعية من الكتب ظلت تحيرني وتثير أسئلتي ، تلك الكتب التي تغازل رغبات الإنسان ، في الثراء والسفر وتعلم اللغات والطهي و... الخ. السؤال الذي ظل يراودني يتعلق بمدى قناعة أو اقتناع القارئ الذي يشتري هذه الكتب بمضمونها ؟ هل يصدق فعلاً أن بإمكانه أن يتعلم اللغة الإنجليزية، أو الألمانية، أو الفرنسية في ثلاثة أسابيع بدون معلم ؟ أو أن بمقدوره أن يصبح مليونيراً في شهر ؟ أو يتعلم ميكانيكا السيارات في منزله بواسطة رسوم توضيحية ؟ تذكرت الكاتبة الأميركية اليزابيت جيلبرت وهي تعبر تجربة طلاقها القاسية وانفصالها عن زوجها وبحثها عن وسائل لعبور أزمتها الطاحنة ، اليزابيث وفي حالة عودة للنفس بصفاء وتحرر مطلق تذكرت مجموعة من الرغبات الشخصية التي قمعتها في داخلها وتجاوزتها لسنوات طويلة وكان منها أن تتعلم اللغة الإيطالية ، لكن ليس عن طريق تلك النوعية من الكتب بل عن طريق الذهاب إلى إيطاليا والعيش هناك ، وهذا ما كان فعلاً ، سافرت واندمجت وأكلت المكرونة والبيتزا وزاد وزنها كثيرا وأحبت ومشت شوارع روما كلها ، وفي النهاية تعلمت حقا وخرجت من روما ممتلئة بالبهجة واللغة والطعام ! الذين يعتقدون أن بإمكانهم أن ينالوا أو يحققوا رغباتهم بهذه السهولة واهمون، لأن الرغبات المؤجلة التي يبحث صاحبها عن تحقيقها مهما طال الزمن لا يمكن أن تتأتى أو تتحقق من خلال كتاب يتكون من 200 صفحة ، ولو أن الأمر بهذه البساطة لتوصل إليه أصحاب هذه الكتب نفسها ! ألا يتساءل أحدنا إذا كان بإمكان المرء أن يصير مليونيراً في مدة شهر فلماذا لا يصبح الكاتب الذي كتب هذه الكتاب مليونيراً إذن دون الحاجة إلى المرور بمتاعب التأليف والبحث والسؤال. هناك كتب كثيرة تقدم فكرة استسهال الحصول على التجربة العملية مع أن التجربة الإنسانية فعل طويل وتراكم في الزمن ، لا يمكن أن تقدمه مثل هذه الكتب ، الكتب تقدم المعرفة وخلاصات التجارب والثقافة والبهجة والتسلية لكنها لا تعلمنا تلك المهارات التي تحتاج جهدا ضروريا نراكم من خلاله تجربة إنسانية ونحن نتعلمها تماماً كما كانت تجربة الكاتبة الأمريكية.