عندما تنظر إلى عيني طفل، مزّقته الحروب، ورفّته الكروب، وأصبح شيئاً يشبه الكائن البشري لكنه لا يحمل نفس الصفات والمميزات والسمات، والطموحات والرغبات.. طفل استيقظ في الصباح الباكر، ووجد غرفته مهدمة، وألعابه منثورة كالحصى الأغبر، وأمه ملقاة على الأرض تسبح في بركة من الدماء، وأباه اقتيد على أيدي مجموعة مجهولة، لا يعلم سرها.. فماذا تقول: تلك العينان الزائغتان، الشاخصتان، وسط آزفة أزفت بفعل فاعل مجهول، والهدف المعطى ظاهرياً، حرية.. وديموقراطية.. هاتان العينان، تقولان أشياء وأشياء، وأهم شيء تفصحان عنه هو أن مستقبل الأوطان التي مرت بالطوفان المدمر، مُبهم مثل السراب، قاتم مثل الليل، متوحش مثل الضواري، عدم مثل الموت، إذاً هل سيشكر هذا الطفل كل من دمر وخرّب، بالطبع لا، بل سوف يلعن الطائفية، والعرقية والديكتاتورية، سوف يلعن الكذب والافتراء، والهراء والأهواء، سوف يلعن كل من يدعي الوطنية ويكذب، وكل من يمتطي خيل العقائدية ويكذب، وكل من يلف لفيفه باتجاه التقاطع مع الآخر، ثم يكذب ويكذب ويكذب، حتى تلتئم الأمم، بسوء الذمم، وتنقض على الهشيم، حتى يصبح عصفاً مأكولا، وتنتهي الأوطان إلى مزق وفرق، وإلى طرائق قدد، وإلى أحوال شخصية ملفوفة ومزكومة بالنوايا والرزايا، وما دشت به قارعات الطبول، وما عوت به مدلهمات الفصول.. هذا الطفل سوف يصبح مشروع مجرم لا محالة، لأنه لم ينشأ إلا على الدم، ولم يفتح عينيه إلا على الأشلاء المتناثرة في الطرقات، ولم يسمع إلا دوي المدافع وهدير الطائرات، ولم يرَ إلا ألسنة النيران تلتهم الأخضر والأصفر، هذا الطفل لن يعرف شيئاً اسمه الكرامة لأنه لم يتربَّ عليها، ولن يعرف شيئاً اسمه الجد لأنه لم يشعر به، ولم يعشه، هذا الطفل سيعرف شيئاً واحداً، ألا وهو مخيمات الأقمشة المرقعة، عند نهايات الحدود، وفي أقصى التضاريس العارية، والملونة بلون الفقر والمرض والجهل، وعبوس الذين يأوون لأجل أهداف سياسية وأجندات عدوانية بغيضة.. هذا الطفل سيغيب عن الوعي لأنه غاب طويلاً عن مدرسته، وهجر الكتاب، لفترة أطول من عمر الدهر.. هذا الطفل لن يصدق أن في الكون إنساناً يقرأ ويكتب، ويخترع ويصنع، هذا الطفل سيكون أشبه بالجندي الياباني الذي عثر عليه بعد سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكان على شكل إنسان الغابة، نسي حتى لغته.. كما نسي أمته. والله المستعان.. Uae88999@gmail.com