ينخدع الإنسان عادة بمؤثرات الحواس الخمس، فما تراه العين وما تسمعه الأذن يولد فينا مشاعر متضادة، وحين تمتد اليد لتتلمس شيئاً أو كائناً فإن أحاسيس اللمس تتحول إلى مشاعر أيضاً كذلك عندما نشم رائحة ما أو نتذوق طعماً، والعقل غير الواعي يتصرف عادة بطريقة روتينية عبارة عن رد فعل مباشر لهذه الأحاسيس المتولدة باستمرار، أما العقل الواعي فهو الذي يسيطر على تدفق المشاعر ويمنعها من التأثير فيه عن طريق مراقبتها، مراقبة الحواس نفسها والمشاعر التي تتولد من تأثيراتها. عندما ينعتك أحد قائلا: «أيها الجبان» فإن مشاعر فياضة من الغضب تنبعث فيك فجأة، والعكس كذلك، حينما يثني أحد على فعلك أو قولك أو حتى شكلك فإن مشاعر من الراحة الداخلية تتولد أيضاً، لكن الحقيقة الأعمق أننا نسقط في شرك التعلق بهذه المشاعر. لا يهم أن كانت سلبية أم إيجابية، نفضلها أو نكرهها ونكره أنفسنا معها، ولكن المهم هو مدى تعلقنا بها أو ضدّها. الإنسان عبارة عن حالة من التجاذب والتأرجح بين ما يحب وما يكره. وهذا عذابه العظيم، ولا سبيل إلى التخلص من هذا العذاب سوى بالتحرر من تأثير الحواس فينا. وهذا لا يؤدي إلى التبلد كما يعتقد ويخاف كثيرون، إنما يقود إلى فهم أعمق لطبيعتنا وأسلوب تعاطينا الواعي بالأشياء والناس من حولنا، والسيطرة على المشاعر الدفينة وتحريرها من أعماقنا والسماح لها بالظهور يجب ان يكون جوهر ما نسعى إليه جميعا. عندما نصل إلى القدرة على مراقبة المشاعر والأفكار والخواطر والذكريات الحلوة منها والمرة فإننا نسيطر على أثرها. نحن لا نريد أن نمحوها من الذاكرة، بقدر رغبتنا في التخلص من أثرها العالق فينا. وبالمراقبة وحدها يتحرر العقل من الطبقات المترسبة في أعماقه. الفكرة الأساسية في مراقبة الذات والأشياء هي «التوازن» في النظر إلى ما يجيش في دواخلنا من متغيرات. الذكريات المؤلمة لا تختلف عن الذكريات السعيدة. والإنسان الذي قضى طفولة مريرة، يرغب في التخلص منها لكنه يحب أن يحتفظ بالذكرى الجميلة أو السعيدة، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، في التعلق بالذكرى السعيدة. وبالتعلق في رغبة طرد ما يؤلم. لا توجد سعادة حقيقية إلا في الظاهر، في المتع العابرة وامتلاك الأشياء وتحقيق الرغبات الآنية التي عندما تزول يحل مكانها الألم. إنها لعبة متضادة في شكلها، لكنها واحدة لا تتغير، والانتصار و»التنور» الحقيقي يحدثان عندما تتخلص من التعلق بكلاهما، بالسعادة المزيفة، وبالحزن المزيف. بهذه الطريقة فقط نتحرر من أثر الأشياء والذكريات. لو نراقب المشاعر والأفكار والصور التي تطرأ على الذهن، فقط نراقبها بتجرد وانتباه تام، سنجدها تظهر وتختفي في لعبة مستمرة. بعض هذه الأفكار تنبعث فجأة من مكان ما وتتلبسنا بالكامل. لكن لو راقبنا شكل ظهورها وتصاعدها فينا بانتباه تام، فان أثرها سيزول بسرعة. راقب بتركيز كامل أي شيء وكل شيء ينبع من أعماقك وستجد تأثيره يزول، وعندها سوف تتحرر من مكامنك الجوانيّة. طبقات بعد طبقات من المشاعر المكبوتة سوف تزاح من عقلك ليصبح حقيقياً وحراً. وهذه المشاعر عندما نتخلص من فإنها لا تعود مرة أخرى تؤثر فينا، وتكون قد رحلت إلى الأبد وهذا هو المهم. عادل خزام | akhozam@yahoo.com