صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

القلق وحديث ما يقلقون 2

إكمالاً لحديث الأمس، هناك صديق فنان مشهور كان يصور مسلسلاً قبل سنوات، وكان يتردد بين الإمارات وبلده كل أسبوعين، وفي كل مرة نعمل له فيزة زيارة، فاقترحنا عليه بدلاً من هذه البهدلة أن يعمل إقامة لمدة عامين، لأنها ستريحه وتريحنا، ففرح وجهز أوراقه الثبوتية الكاملة وكان في غاية الحماس، وبكر صباحاً على غير عادة الفنانين لإنهاء معاملته، وفي الطريق قلنا له إن عليه أن يعمل فحصاً طبياً قبل تقديم الأوراق، فرد بضحكة مجلجلة: ''شو فحص طبي، مش شايفين كل هذه الصحة'' فقلنا له: لا·· هو فحص روتيني لـ''الإيدز''· ساعتها بُهت وصرخ:'' شو فحص روتيني، ما روتيني!'' رفض إجراء الفحص الروتيني، وبعد تفكير عميق وبعيد وسرحان، وكأنه يتذكر مشهداً سينمائياً طويلاً، صاح قائلاً: ''مصيبة واحدة، ولا مصيبتان، وبعدين بصراحة أنا متزوج من امرأتين''· فمازحناه قائلين: ''وما دخل المرأتين في فحصنا الروتيني؟ وليس مطلوباً منك أن تحكي قصة حياتك المعروفة، العلّة في حياتك المجهولة، ثم لماذا تفترض الحالة الأسوأ؟ يا أخي اتّكل على الله واعمل الفحص الروتيني''· فقال: ''لا أحد سيخرّج روتيني من عقلي إلا أنتم'' واكتفى بالزيارات المكّوكية· وهناك صديق محترم جداً، وبصراحة أشد، أكثر احتراماً منا جميعاً، فهو رجل ''بيتوتي'' وفي حاله، حتى التدبير المنزلي يشارك فيه بحماسة منقطعة النظير لكي لا يدخّل شغالة في بيته، رجل مصلّ، مسمّ، مزكّ، تائب عن السبعة وذمتها، وفي يوم رأيناه على غير عادته وهدوئه، مضطرب بعض الشيء، وكأنه يخفي عنا شيئاً، حاولنا أن نخفف عنه بالمزاح، لكن الرجل ليس معنا، شارد الذهن، معكر المزاج، فخفنا أن يكون متخاصماً مع الحاجة التي لا يقدر أن يزعّلها مطلقاً، وبعد شق الأنفس، اعترف لنا أنه عمل الفحص الروتيني، وهو قلق الآن على مستقبله الوظيفي والعائلي، وخائف على سمعته التي ستلوكها الأفواه، فقلنا: ''خيراً·· أنت الإنسان الطاهر العفيف، والذي سمعته مثل المسك، تخاف؟ ماذا أبقيت لنا نحن سمّار الليالي، عشاق المطربة سنيّة الخرساء؟ هدّئ من روعك يا رجل، خاصة وأنك رجل محترم، فلا تخش بخساً ولا رهقاً''، فقال: ''أنا مش خائف من المرض، أنا خائف تختلط عينة دمي بواحد مصاب، شوفوا الفضيحة التي ستحصل، وإلى أن يتدارك المختبر نتيجة غلطته، ماذا سأقول لزوجتي وأولادي ورئيسي في العمل وزملائي وأصدقائي؟ ثم افترضوا أنهم صحّحوا النتيجة، كيف لي أن أقنع الناس بها، يكفي أن ترى من نظرة عيونهم تلك الريبة والشك الذي يصليك الجحيم''· أما القصّة الأخيرة فبطلها كان في يوم من الأيام مغواراً، جاء يحدّث زملاءه عن تلك المغامرة التي خاض غمارها في إحدى رحلاته الى العاصمة إياها والتي اشتهرت بالملاهي والمجون· وقبل أن يختتم حديثه المشوق، صرخ في وجهه أحد الجلوس الكرام، وكان قصير القامة: ''يا أخي حرام عليك·· روح سوي فحص''، فخرّب تلك الصورة الرومانسية، وجعل بطلنا الهمام ترتعد فرائصه، وليلتها لم ينم· ذهب صاحبنا منذ الصباح الباكر وفحص، لكن ليالي النتيجة كانت تطول، وتطول أكثر من دهر، وبعد 3 أيام، اتصل به المستشفى لمراجعته، ذهب بطلنا يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وحين وصل إلى باب المستشفى، وجد ثلاث سيارات شرطة وإسعاف فكادت تخون به الركب، وظلّ واقفاً متسمّراً، وأفكار الدنيا تتلاطم أمام وجهه، ولم يسترح إلاّ بعد أن تحرّكت تلك السيّارات الثلاث، ومن يومها طلّق قصصه الرومانسية بالثلاث

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء