أطفالنا في خطر، وتحت وطأة الأكلات السريعة، والجلسات الطويلة أمام الشاشات الملونة أو الكمبيوتر، يتهدد هؤلاء الصغار مستقبل بأنياب حادة، ومخالب مسننة، وقيل في القديم “في الحركة بركة”، وصغارنا لا يتحركون، ولا يأكلون ما يفيد أجسامهم، ومن يتابع ويشاهد، نظرة الصغار باتجاه مطاعم “البث السريع” يشعر أن الأمور في خطر، وأن الصغار يغرفون من سقر، ويسبحون في سجر، وكل سلوك يسلكونه أمر فيه كدر. وتقول دراسة حديثة أعدها علماء من جامعة أوكسفورد إن الأطفال البدناء معرضون للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، لأن هذه الدهون التي يتعاطونها، والتقاعس الذي يفرضونه على أنفسهم بجلوسهم أمام الأجهزة الحديثة، تؤدي لا محالة إلى مثل تلك الأمراض الخطيرة، الأمر الذي يتوجب معه على الوالدين أن يقرعا أجراس الخطر، وأن يستيقظا من السبات، ويتنبها إلى الأبناء، ويكونا على دراية بأن الأمانة التي بين أيديهما مهددة بأمراض قاتلة، والتساهل اليوم قد يؤدي إلى سوء المجاهل، وبعدها لن يفيد الندم، ولا كلمة يا ليت ما غفيت.. ومعظم صغار اليوم بالونات صغيرة تتدحرج على الأرض، ولا تحملهم عظامهم الغضة ولا أقدامهم البضة، وطفل اليوم عندما يريد أن ينهض يتأوه، وتتقرقع عظامه من شدة الوزر، وكأنه كهل في عمر الستين أو السبعين.. بينما الأطفال الذين يأكلون من أيادي الحانيات الراعيات الحاميات لأسرة النحل، تجدهم يتقافزون كالغزلان البرية، يسيحون في الأرض كأعشاب مرتوية، بابتسامات مشرقة بالعافية، ووجوه متألقة بالحيوية. والسمنة لا تأتي بأمراض الجسد فحسب، بل تتكدس كالغيوم مصحوبة بعلل نفسية، أخطرها الاكتئاب والعصاب القهري، وما يتبعها من قلق يكوي القلوب كما تشوي النار فؤاد الأم الكروب. أطفالنا اليوم يتقززون ويشمئزون من رائحة السمك، ويشعرون بالضيق والملل، عندما ينادون لتناول الطعام على سفرة “الوالدة” بينما يتهافتون، ويندلقون بلهف وشغف على أكلات بعينها، تتفتح أنوفهم لرائحتها، كما تشم الضواري الجيف.. أطفالنا اليوم يعانون تدهور الذائقة، وانقلاباً جذرياً في عادات الطعام، ما يجعلهم يغادرون مرحلة إلى مراحل، تخطفهم بسرعة البرق نحو غايات لا يعلم سر أخطارها إلا الله.. وللأسف فإن الآباء والأمهات وتحت هجوم العواطف الأبوية، يذعنون لمطالب الأبناء، وأحياناً لتكاسل من الأمهات عن تأدية الدور الأسري والاجتماعي، ينفلت الزمام ويسود الغمام، ونخسر فلذات أكباد بعدها لا يفيد القول.. لقد طار الحمام، واكفهرت الأقفاص، بوحشة الغياب.. فلابد من الاهتمام، ولابد من السهر لأجل عيون تستحق تعب الأيام.. فالأطفال طيور تقصقص أجنحتها بالإيلام، لا تثقلوها بسمنة تقض المنام، وتشوه الأحلام. علي أبو الريش | marafea@emi.ae