“انتبه، لا تجاهر بهذا الحديث أمام أي أحد حفاظاً على حياتك”، غالباً ما تواجه بهذا التحذير إذا ما لامس سقف حديثك أحد المحرمات الثلاثة: الدين، السياسة، الجنس، وتحديداً في مجتمعاتنا العربية، فالناس إما أن تخافك وإما أن تخيفك وإما أن تخوفك، وبالتالي تحذرك، المأزق الأكبر حين يخاف المثقف الواعي من الأشخاص الذين لم تكن الثقافة اهتمامهم يوماً، أو ممن تسللوا إلى الثقافة وعالم الأفكار من البوابات الخلفية، فصاروا يفتون ويحللون ويحرمون، هكذا حسب ما يخطر على بالهم، معتمدين على نزعة الخوف عند البعض وسلوك السقوط في الغيبيات الفكرية أو التهيؤات، أحياناً يخاف البعض من أشخاص معينين على اعتقاد أنهم يملكون نفوذاً قوياً، وقد يقودون الشخص لحتفه بينما لا أساس لهذا الاعتقاد سوى خاصية الخوف التي تبلد الجسد والدماغ معاً!! كنت أتبادل حديثاً حول ثقافة الاختلاف، ولي في هذا الموضوع رأي واضح كنت قد كتبته في أول مقال نشر لي في الصحافة ديسمبر من عام 1996، كان عنوان المقال يومها (هكذا نتحاور.. هكذا نختلف)، وقد أكدت فيه قناعتي بأن الناس حين يعتنقون فكرة أو رأياً معيناً فإنهم يميلون إلى الظن بأنهم امتلكوا الفكرة تلك، أو أنها أصبحت جزءاً منهم أو من ممتلكاتهم، وعليه فهم لا يقبلون المساس بها أو النزول عنها، وهنا فأنا لا أقصد الدين حتماً لأن الدين ليس فكرة مجردة إنه نظام حياة واعتقاد كلي غير قابل للنقاش، لكنني أتحدث عن الأفكار المجردة أو تلك القابلة للخطأ والصواب أو للتغيير والتعديل والتبديل أو حتى التنازل، لكن كثيراً منا إذا اختلفت معهم في الرأي أو اعترضت على أسلوب أو سلوك فإنهم غالباً ما يعلنون عليك العداء إن لم يعلنوا الحرب!! في ذلك المقال القديم، قدمت ثلاثة أدلة من واقع حياتي الشخصية وتجربتي المتواضعة يوم كنت طالبة في المدرسة وفي الجامعة وحين دخلت عالم الوظيفة، أثبت من خلالها أن صاحب المنصب لا يتقبل أن يجاهره بالاختلاف أو الخلاف شخص أقل منه في سلم التراتبية الوظيفية أو الاجتماعية، لذا فغالباً ما يلجأ للانتقام منك بحسب نفوذه أو بحسب سلم القيم الذي يدين به، لكنه لا يدعك تهنأ بخلافك معه! يحدث هذا مع المعلم ومع أستاذ الجامعة ومع المدير أو حتى مع الأب في المنزل!! نربط الرأي بنا ونعتبره ملكية أو وجاهة خاصة وهذا أول العلة، ومبتدأ الشرور في مجتمعات العالم الثالث التي لم تصل بعد إلى مناقشة أفكارها الكبرى وقناعاتها التاريخية بشكل حر وعلني، المناقشة هنا بمعنى المراجعة، فالعالم المتحضر قد راجع أفكاره الكلية وقناعاته وحدد مواقف مختلفة من بعضها، وصلت إلى أنه تنازل عن بعضها وأسقط بعضها وأدان بعضها الآخر، كما فعل الاتحاد السوفييتي السابق مع الفكر الماركسي، وكما فعلت أوروبا مع الفكر الشمولي وكما ستفعل بلدان ودول أخرى مع سرديات كبرى أخرى في مقبل الأيام! إن البشرية تنمو وتكبر في مسيرتها العظيمة منذ بداية الخلق، وهي تنضج وتصير أكثر حكمة وأقل اعتداداً بأفكارها، فاكتساب المعرفة يجعلنا أكثر قدرة على الجلوس معاً بوعي وخلق وهدوء، أما الذين ما زالوا أطفالاً في سلم الحضارة فهم أكثر حساسية ولجوءاً للضجيج والخوف والتخويف! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com