صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حَنَق الحمق

حين نرتكب الحمق، أشياء جميلة تتسرب من بين أنامل مشاعرنا، وتفاصيل صغيرة ذات معنى تضيع في الطريق، فلا نرى غير العتمة، ولا نلمس غير الأعشاب الشوكية الوخازة. حين نرتكب الحمق، نتوه في التفاصيل، ويقطن الشيطان في شعاب ما نراه حقيقة، فنصغر كثيراً ونعود القهقرى إلى الوراء لأزمنة غابرة، عشوائية غوائية، ولا نستدل على المنطق إلا بعد فوات الأوان. - الزوجة التي تغرق في أحشاء الهواجس، قد ترى الخيانة تتراقص على جبين الزوج، فتنهره، وتزجره، وتخاصمه، وتوسع القطيعة بينها وبينه، فينهر الشك بمخالب تنغرس وهماً قاتلاً في نفسها.. والزوج الذي يتضخم كثيراً فيقف من علو شاهق، لا يرى إلا نفسه، يكتوي بنيران الأنانية، ويحترق بلهيب الذات المتورمة، فتفتح الفجوة فاهاً وسيعاً، يلتهم الأخضر واليابس في الحياة الزوجية، ويقضي على أعشاب الحياة، فلا تنمو في بيئة البيت سوى طفيليات المرض والموت. - الصديق الذي لا يعترف إلا بنفسه، ويعتمر عقال الكبرياء وغترة التكبر، ولا يحف من حوله إلا بشفاه مزمومة، ونفس مكظومة، وروح مهضومة، وهالة إن حضرت ما أسرت، وإن غابت ما كدرت، بل هو شيء تلاشى. - مستخدم الشارع، الذي يستعصي عليه السير على الأرض هوناً، فيذرع الإسفلت بعصبية جاهلية، بغيضة ومميتة، وينظر إلى الناس من حوله كبقايا أو نفايات، فقد يدهس عابراً، أو يسحق واقفاً، أو يعطل سيراً، قد يكون من ضمن السائرين مريض متوجه إلى مستشفى، فيحرمه من رمق الحياة المنتظر. - ربة منزل، تسوق خادمة، كما تُساق الأنعام والدواب، تزجرها في الصباح، وتصفعها في المساء، وما بين الزمنين، زعيق، ونقيق، ونهيق، وحريق يشعل كبد من أوقعتها صروف الدهر بين يدي من انسحقت تحت رحى الحمق، ونزق الخافيات من المشاعر. - خادمة، ربما يخذلها الحمق، فتدس السم في الدسم، وتودي بحياة أبرياء، موعودة بخبر وهمي، يأتيها جرّاء ما تفعله من شرور في حق آخرين، وينتهي بها المطاف إلى السجن والإبعاد وقطع الرزق، ومنع لقمة العيش. - موظف، يعتقد أنه أحق من غيره في الترقية، فيتخذ الحس الوهمي في رأسه، ولكي ينتقم من رئيس له، يتخاذل في تأدية عمله ويتكاسل، ويتجاهل أو يغش أو يسرق، وينم في حق زميل له، ويُسرب مالا يتسرب، ويُخرب مالا يخرب، ويهرب بضغينته إلى أقصى مدى، ويكتشف بعد حين، أنه يجلس على رصيف الفراغ، ناعياً منتحباً، ويداه مملوءتان بسوءات ما اقترفتاه، وعيناه شاخصتان، متوجستان، من غد لا يأتي إلا بويلاته ونكباته. هذا هو الحمق، طريق للحنق، ومشرب من مشارب الأسى وفقدان البصر والبصيرة.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء