اختفت من مكتبتنا كتب الإخوان المسلمين، حتى قامت ثورة يوليو 1952 وسمعنا أن بعض الضباط الأحرار كانوا في الإخوان، ورأينا وكيل الجمعية الشيخ أحمد حسن الباقوري يعين وزيراً للأوقاف، وكان صهر الشيخ دراز وكيل الأزهر ونائب دائرتنا في البرلمان، لكن لم تلبث أن وقعت حادثة عام 54 وأطلق الإخواني محمد عبداللطيف الرصاص على عبدالناصر وهو يخطب في الأسكندرية، فانقلبت مشاعر الناس تعاطفاً مع الزعيم، وسمعت الباقوري يومها يقول كلمة في الإذاعة مستشهداً بأبيات من الشعر القديم مازلت أذكرها لبلاغتها: "أريد حياته ويريد موتي/ عذيرك من خليلك من مرادي" وبالرغم من صعوبة التركيب اللغوي في الشطر الثاني الذي يعني فيما أظن استنكار عذر الخليل الذي يغدر بك فيتناقض مع مرادك في سلامته، فإن الشطر الأول بسهولته ونصاعة بيانه ومفارقته الحادة يبهر المستمعين، فعبدالناصر الذي يريد حياة المصريين وعزتهم وكرامتهم يتصدى بعضهم لقتله جزاء لحبه، ثم أردف الباقوري ذلك باستشهاد آخر من المفضليات: "قومي هُمُ قتلوا أميم أخي فإذا رميت أصابني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللاً ولئن ضربت لأوهنن عظمي" كان هذا أصدق تمثيل لموقف قطب جماعة الإخوان الذي كان مرشحاً لمنصب المرشد فيها ثم استقال منها بعد قبوله الوزارة الثورية، فهم لايزالون قومه وعشيرته الأقربين، وقد هموا بقتل أخيه وزعيمه ورئيسه عبدالناصر، وهو لا يعرف ما هو الموقف الصائب الذي يتخذه منهم، فإذا طعن فيهم وفي وطنيتهم ودينهم أصابته سهام الطعن، ولئن طالب بالعفو عنهم فإن ذلك من عظائم الأمور، ولئن دعا إلى البطش بهم فكأنه يوهن عظم نفسه، لكن الباقوري لم يتردد في مناصرة عبدالناصر، بل أدرك حينئذ قبح سلوك إخوانه وجرائمهم، وانخرط في المشروع الناصري للوحدة مع سوريا، وأحسب أنه هو الذي كتب بيان إعلان الدولة الجديدة، لأن فيه ملمحاً من أسلوبه البليغ حيث يقول عنها "دولة تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، ترد كيد العدو، وتمد عون الصديق"، لكن لم تلبث أجهزة التخابر أن عصفت به فأقيل من منصبه بشكل مفاجئ عام 1959، وسمعت فيما بعد أنها سجلت له مجلساً كان يحضره في منزل العالم المحقق الكبير محمود شاكر حيث جرى ذكر عبدالناصر بنقد لاذع، وذاعت حوله بعد إقالته شائعات تمس السمعة، فلزم بيته وأصيب بالشلل، لكن يبدو أن الرئيس عبدالناصر أدرك ما تعرض له من ظلم فأعاده رئيساً لجامعة الأزهر عام 1964، وفي العام التالي ذهبت إليه بصحبة صديقي المرحوم الدكتور عبدالصبور شاهين أستنجد به لمنع ظلم وقع عليّ من عميد كلية اللغة العربية الشيخ محيي الدين عبدالحميد، إذ رفض أن يعطيني خطاباً روتينياً للبعثات... قال لنا الشيخ الباقوري إنه يعترف بحقي لكنه لا يريد أن يخالف كلمة الشيخ محيي الدين لأنه أستاذه، فأقر الظلم وامتنع عن رفعه ونسى أنه هو نفسه كان لتوه خارجاً من ظلم فادح رفعه عنه الزعيم.