حين تسترسل بالفكرة الحرة تقف بك على أعتاب الشفافية، لذا تنظر من خلال النوافذ الكاشفة على الرؤية الأشمل، وكأنك تود ان تستوعب الكون من جديد، او كأنك تود ان تطلق عنان النظر الى أبعد ما يمكن، لترى نسيج عظمة الفكرة حين تولد، لتجرك الرؤية الى مسافات الزوايا المطلية بالغموض، لترى نفسك محلقا بعيدا، كأن المكان لا يستوعبك ولا يشارف بك الزمان إلا على ما هو قيد للتجلي الجميل. حقا للفكرة رحيقها حين تتفتح كوردة، لتنسج خيالها الإبداعي أينما مكان، وحين لا تتسع بالنفس وحين يخالجها الجمود، كأن يصاب المرء بالضيق، ولا تأنس الأفكار لأبعادها النفسية أو الفكرية وحدها، وتغدو نحو المتسع الأكبر من الكون، فالفكرة لها مساراتها، حين تسطر ملكوتها وتقاليدها على جمالية الشرفات اللامعة، وحين تباعد بالنظر إلى سياق البحر، وكأنها ترسم آلية من زرقة الممزوجة باكتظاظ أشعة الشمس، او تتموج كحالة خفية صامتة وسط الظلام الجامح لترسم مع الغد نفس آخر. الفكرة الحرة هي الجمالية التي تعبر عنها الحقيقة دائما، وملاءتها الحس الفكري المتشظي والمتعمق في سطور اللذة الحياتية، لذا تمتشق عاليا، تجافي كومة الأفكار السقيمة والمتحجرة، وما ينبئ باحتدام دائم ما بين الفكرة الحرة وعبث الأفكار. منذ زمن والأفكار المتسلطة ممزوجة بالعبث،نسق أصحابها بعيد كل البعد عن الحلم، فحين تتسلط ذات النزعة المأجورة والانهزامية لا تجيد قراءة صفو الأفكار، فما تود قتل الأفكار الحرة وطمس معالمها لتتبناها من جديد، وتعمل جادة على بغيها وعدوانيتها وفرز عطشها لنيل من جمالية الأفكار الجميلة، وتتوارد على نسقها كون أفكارها بلا منطق وذات حيثية أنها مقيتة وبليدة. فالأفكار الإبداعية تتناسق بالأفكار الحرة، وترسم وعيها من خلال حيز الثقافة، ولا يضيرها الهوجائية المريرة ولا يمكن لها إلا ان تسمو وتنتصر وهي تكابد الخداع، ولا يمكن ان تروضها وهي جامحة لا يحدها سياج إلا شفافية الحقيقة، وبمعنى أخر لها جوهرها مطرز باللذة، فالأفكار الإبداعية دائما ما تعيد صياغة جدلها، ولذا تنفي من مكونها كل الأفكار المريضة المهووسة بالطغيان، فالأفكار الحرة لا تحتوى ولا تدجن ولا مكانا لها سوى العلو. فمن هنا أتى التباعد الكبير وأتى مكسوا بالاختلاف الكبير الماضي ما بين الحر ولا حر أو المقيد بالعقم والأنانية، فالفكر الحر متشبع تماما بالجمالية ونيته حرية البشر، ودعوته التخلص من الشوائب، ومقامه ما يؤمن به البشر من تطلعات، مراده الصفو الجميل والتجدد المثير من خلال التطبيقات الفعلية والحرفية في الحياة، وملاذه رسم ذلك النسيج المحبب والأقدر على مخاطبة وجدان البشر وعقولهم، ولا يكتمل الفكر الحر دون الرؤية المتعددة والمتجددة، بل هما يتصاعدان على وعد خلاق متعاف وعلى النسق الرصين المؤثر في الحياة.