صار مجنون الأمل اسما يحضر مع رنينه الشاعر المغربي بالفرنسية عبداللطيف اللعبي (فاس 1942)، اسم يرتقي من الوصف المعلن عنوانا لأحد دواوينه المبكرة؛ ليلتصق به ملخصا لمسيرة تميزت بالكفاح على المستوى الإنساني، والكد على المستوى الثقافي، فالشاعر الخارج من ظلمات سجن طويل ـ قرابة ثمانية أعوام ـ ومصادرة لحريته طليقا، وهجرته جسدا ولغة إلى فرنسا منذ منتصف الثمانينيات، يظل كطفل عنيد ممسكاً بالأمل. المختارات الصادرة له قبل شهرين ضمن كتاب في جريدة تعطي هذا الانطباع. يبارك اللعبي الشاعر والناثر بزوغ الحياة وهو يشهد ولادة حفيدته، كما يزجي الشجن والأمل لبغداد في محنة خلاصها من سوط الدكتاتورية مبتلية ببنادق المحتلين، ويودع محمود درويش بتواضع الصديق والرفيق، ويتجول حرا بين الأنواع الأدبية شعرا وسردا ومسرحا ويوميات وسيرة، بلغة يقال عنها دوما إنها أليفة، تمر بيسر عبر محمولها الإنساني، تعنى بالتفاصيل دون استطالات؛ لذا كانت شذراته وجمله الشعرية تختزل ملفوظاته، وتؤسس لبلاغة اقتصاد لغوي وشعري، لا نحس معها أن الشاعر يعاني كجيل الكتاب الفرانكفونيين الأوائل من ازدواجية اللغة أوثنائية اللسان، ربما لأنه التحق بالمهجر متأخرا، أو لأن استراتيجية خطابه تقوم على استدعاء جماليات مقصاة في الثقافة العربية يدركها البعيد عن مشهدها. “بعيدا عن بغداد” قصيدة مكتوبة بعمق وشفافية معا، وبانتقالات حادة من ماض قديم ومعاصر وزمن جديد: حضارة تباد، وعسف يكتسح الحرية، ودم يسال على الشاشات: “في مكان ما هنا/ كان للحكمة بيت/ أنقذ أرسطو من النسيان/ وصاغت شهرزاد/ أم الحكايات/ اشتغل العقل بكثافة/ حتى تقطعت أنفاسه/ مختنقا بالتلوث الناجم/ عن أم المعارك”. القصيدة لدى اللعبي مناسبة للمكاشفة الحياتية لا التعليق على الحياة أو الانتقام منها. دوما تسبح فوق هيجانات عواطفه نظرة تفحص الورقة وبياضها، والقصيدة وإيقاعها واللغة ودلالاتها. “عبثا أهاجر” عنوان يذكرنا بكفافي والخراب الذي يلاحق الإنسان حيث حل: عبثا أهاجر/ الغرفة التي أستيقظ فيها/ هي ذاتها التي فيها ولدت”، والإيهام هو أبرز الحبكات التي يلجأ إليها الشاعر لصوغ نصوصه. المدعوون لا يحضرون بعد أن هيأ لهم في أحد النصوص مائدة مثقلة، وبدل ذلك يدخل مسلحون ليطلقوا عليها النار، ويخرجون فتظل البقايا والشظايا ليلمها الشاعر عن المكان. في السرد يقدم اللعبي مكاشفات مماثلة. في مشهد رؤية الحفيدة في المهد يسترجع عناءه وما ينتظرها، لكن فيها قوة الحياة التي تعيد جنون الأمل إليه. وفي “بلدي العزيز” مونولوج حزين ومكاشفة مع الوطن. يبدأ النص السردي بجملة استهلال جارحة، معبرة عن خط سير المحادثة كلها “لقد داهمتَ حياتي وأنا طفل..” وفي تجربة التعرض لموت في مظاهرة والنمو والوعي والتشرد والسجن يكون الوطن شريكا في المحنة وأسيرا: “لقد سندتني في أشد ظلمات الليل حلكة/ لكنك لم يكن بمقدورك أن تفعل الشيء الكثير من أجلي..”.