غالباً ما يكون في حياتنا أشخاص يتصرفون على هذه الشاكلة، أشخاص قريبون منا، قد يكون أحدهم صديقاً أو أخاً أو جاراً أو زوجة، أشخاص لطيفون جداً وأكثر مما يجب، يفعلون الأشياء التي يتوقعها الآخرون منهم بطريقة أقرب للمثالية، يحاولون إرضاء متطلبات هؤلاء الآخرين وبالذات حين يكونون ذوي قربى أو مكانة خاصة، إنهم لا يؤذون مشاعر أحد، ولا يكلفون أحداً عناء الالتفات إلى احتياجاتهم أو ما يريدونه هم، فهم مستمتعون أو مستعذبون حالة إرضاء غيرهم دون أن يفقدوا هذه الرغبة ودون أن يفقدوا أعصابهم. وعندما يهاجمهم الآخرون بغير تعقل، يحافظون على لطفهم وهدوئهم، إلا أنهم كلّما أمعنوا في التصرف بهذه المثالية، كلما انتابهم شعور متفاقم بالإرهاق والإحباط، كما قد يقعون صرعى لأمراض غريبة لا تفسير لها، بسبب ما يحملونه أنفسهم من ضغط عالي المستوى لإرضاء الآخرين، وشخصياً أعرف كثيرين من هذا النوع من الناس. إن هذه السلوكيات التي يسلكها الأشخاص اللطفاء، تؤثر بطريقة عكسية على صحتهم وعلاقتهم بأنفسهم وبالآخرين، وتنتزع البهجة من حياتهم، حيث يتحول اللطف والذوق والطيبة إلى طريقة حياة يسعون من خلالها للحصول على ثبات رضى الآخرين وإعجابهم، مع أنه بإمكانهم تحقيق هذا التقدير والإعجاب بطريقة أقل كلفة وأقل ضرراً. ليس الخطأ في اللطف والتعامل بذوق وتفان لأجل من نحب ونقدر، فذلك واجب ومطلوب، لكن الخطأ حين نحول اهتمامنا بالآخرين من اهتمام إلى إدارة حياة ومتابعة ثابتة لهم، وحين نجبر أنفسنا وأجسادنا على التصرف بطريقة تريح الآخرين وترضيهم وتفرحهم حتى وإن كان ذلك كله يحصل على حسابنا وعلى حساب راحتنا وعلى طول الخط، الخطأ حين لا نمارس إنسانيتنا ونلبي احتياجاتنا كالآخرين تماماً، وحين لا نبدي استياءنا ممن يسيئون إلينا، وحين نكتم غيظنا ونبتلع قهرنا وظلم الآخرين لنا فقط لنبقى في أعين الناس طيبين وذوي أخلاق عالية ولا يبدر منا أدنى خطأ!! ليس مطلوباً أن نفعل ما يتوقعه الآخرون منا دائماً وعلى طول الخط، فنحن أشخاص لنا طلباتنا وظروفنا وتوجهاتنا والتزاماتنا، وعلينا أن نتحرر من حكاية الالتزام الإجباري بإرضاء الجميع، كما أن كلمة “لا” ليست دليل معارضة أو قلة تربية، وليست مؤشر رفض سلبي دائماً، إن كلمة لا ضرورية في بعض الحالات، بل هي أشد ضرورة وأكثر أهمية من كلمة “نعم”، وعلينا أن نقولها عند الضرورة، حيث إننا في بعض اللحظات لا نحتمل مثقال قشة فلو وضعناها لكانت القشة التي تقصم الظهر! إن التعبير عن الغضب ليس قلة أدب أو تهذيب، بل هو رد فعل طبيعي جداً على ما قد نتعرض له وعلى درجة حساسيتنا تجاه ما يحدث لنا، فإذا شعرنا بالغضب فلابد أن نعبر عنه ببساطة، لأننا في كل مرة نبتلع غضبنا لأجل الآخرين نضاعف فرص تعرضنا لأمراض سيئة جداً، كما أن لدينا مطالب نتوقع من أصدقائنا وأبنائنا وإخوتنا أن يحققوها لنا، ولذلك فإن علينا أن نخبرهم بما نريده منهم وأن نتلقاه فعلاً، ذلك دليل صحة وليس عدم تربية، وحين يخذلنا أصدقاؤنا علينا أن لا نمر على المسألة بتعال، بل يجب أن نخبرهم بأنهم خذلونا في وقت كنا بحاجة إليهم. عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com