تاريخياً، فإن أول قانون لحماية المستهلك صدر في الولايات المتحدة سنة 1873، ثم توالى بعد ذلك صدور القوانين من قبل الكثير من دول العالم بغية حماية المستهلك وحقوقه، سواء تعلق الأمر بما يختص بقوته المعيشي اليومي، أو ببقية مناحي الحياة وصولا إلى حقه في بيئة سليمة وصحية، وعندنا في الإمارات فقد صدر القانون الاتحادي بشأن حماية المستهلك عام 2006، ليشهد عام 2010 صدور لائحته التنفيذية المشتملة على العقوبات والجزاءات الخاصة بالمخالفات والمخالفين. ولكي تصير ثقافة حماية المستهلك ثقافة اجتماعية عامة، فإنه لابد أن تتضافر جهود ثلاثة أطراف مع بعضها بعضاً: الحكومة ومنظمات المجتمع المدني ومؤسساته وأفراد المجتمع، أي المستهلكون أنفسهم، حيث لا يمكن أن يشتغل طرف من هذه الأطراف منفرداً ليحقق كل المطلوب، فتلك مسألة غير منطقية ولا يمكن قبولها، وهنا فإن علينا أن نضع لعامل الوقت وزناً كبيراً من معادلة انتشار هذه الثقافة بين أفراد المجتمع، الوقت عامل مهم ورئيسي فيما يخص التأثير على أذهان الأفراد وتغيير اتجاهاتهم، وبالتالي سلوكياتهم بشكل عام والاستهلاكي منها بشكل خاص. إليكم هذه الحكاية: في أحد مطاعم مدينة نيويورك جلس شاب بانتظار وجبة الطعام التي طلبها، ولحين وصول الطلب فقد فتح صفحته على موقع تويتر الشهير، وأخذ يدون ما مر به خلال ذلك النهار لحين دخوله المطعم وجلوسه منتظراً أطباق الطعام، لقد دون الملاحظة الأولى فيما يتعلق بتأخر تلبية طلبه، ثم حين جاء الطعام كان بارداً وعلى غير ما توقع من حيث الجودة وطريقة التقديم، لقد كتب ذلك في صفحته التي يتشارك معه في متابعتها مئات الأصدقاء والمهتمين، وكانت المفاجأة! المفاجأة أن صاحب المطعم كان أحد أولئك الأشخاص الذين قرأوا ما دونه تماماً كما قرأه الكثيرون ممن كتبوا أن ثقتهم بالمطعم قد اهتزت، وفجأة دفع رجل باب المطعم غاضباً على ما يبدو من أمر ما، ثم اختفى داخل المطعم ليقف فجأة أمام الشاب معتذراً عما بدر من المطعم بشأن تأخر الطعام ووصوله بارداً، ولهذا فإنه وبصفته صاحب المطعم يتعهد بتعويضه عما لحق به مقدماً له وجبة غداء كاملة وبشكل مجاني مع بطاقة اعتذار!! إن وصول ثقافة حقوق المستهلك لهذا المستوى الذي وصلت إليه في بلد متطور كالولايات المتحدة، يقول لنا باختصار إن المستهلك صار أقوى من المنتج الذي يقدم الخدمة أو السلعة أو صار نداً له على أقل التقديرات، بحكم قوة القوانين الضامنة لحقوقه وبحكم الزمن الذي مرت به هذه الثقافة الحقوقية، وبحكم قوة ونفوذ وسائل الإعلام الحديثة ومواقع وشبكات التواصل الاجتماعي الشهيرة كالفيس بوك والتويتر وغيرها، وهذا ما يجب أن يضعه القائمون على أمر التوعية عندنا في حساباتهم ونصب أعينهم جيداً. ليس هناك أصعب من تغيير ذهنيات وثقافة وسلوك الناس في المجتمع، هذه عملية اجتماعية معقدة تحتاج إلى زمن وإلى أصحاب ثقافة وعلم وحكمة وإحاطة بفنون الإقناع، إن نشر ثقافة حقوق المستهلك ليس مجرد منصة في مركز تجاري وليس برنامجاً تلفزيونياً واحداً ولا موقعاً على الإنترنت والسلام، إنه هذا كله وأكثر، إنه معرفة ما يريده الناس وتقديمه لهم كما يريدونه وفي الوقت والمكان المناسبين، مع بيئة قوانين صارمة ومعلومة للجمهور ومطبقة على المخالفين حيث المصداقية مهمة جداً. ayya-222@hotmail.com