ناحت الحجر·· رغم أنها صفة للمثّال، لكننا يمكن أن نطلقها على بعض كتّاب الأعمدة المتميزين، أولئك الذين يحترفون الحرف ويحترقون به، وتحت سماء وطننا العربي الكبير، تقف نخبة قليلة من هؤلاء الحقيقيين، الصادقين·
خيري منصور·· واحد منهم، وقد يكون أولهم، وبالأمس كان فوزه بجائزة الصحافة العربية عن المقال، تشريفاً للجائزة، وتكليفاً أثقل له، وأمانة أكبر عليه، فقد كان يستحقها من قبل ويستحقها من بعد·
خيري منصور·· صديق القلم وما يسطرون، تشعر دائماً أنه ظلك العربي الذي هناك·· إن شكا قلم، تداعت له سائر الأقلام بالأرق والألق والحمى، تشعر بأن معطفه الغوغولي الأنيق، يحمل دائماً جديداً ومفيداً ·· وأشياء جميلة تمس الحياة والناس·
كان أول لقاء به في حاضرة العرب بغداد·· حين كانت متعافية، وكانت تحمل بشائر، وكانت زاخرة بالنخيل والخير والصدق والشعراء·
ثم كانت عمّان·· حيث للأصدقاء ولثرثراتهم متسع، لفجرهم الممتد ومباغتة مطعم أبو هاشم في أول تثاؤبه الصباحي، لشمس عمّان المخاتلة·· وعطر الأصدقاء المغرمين بالحياة وعشبها الأخضر·
ثم كانت بيروت·· غفوة على البحر والقمر السهران، البحّارة المتعبون، الغافون على صدر المدينة، الأماكن الليلية الزاخرة بالدفء والنغم وأحمال النهار، انعتاق الجسد وتجلياته باتجاه إيقاع رقص الغاب، حيث سكن الجد الأزلي بالقرب من الطلسم والمتعة والنار·
ثم كانت القاهرة·· حيث لكل شيء رائحته، الليل الصديق، الأمكنة المعفرة بتعب الرفاق وذاكرتهم المخمورة نحو صعيدهم البحري والقبلي، الضحكة التي تطير لها حمامة القلب، والسلام ختاماً·· على ذلك الرجل الراقد تحت ثرى الكبرياء·
ثم كانت مراكش·· حيث حفينا من المشي خلف ذلك الدرويش المتعكز على البسملة والآيات، الذاهب في صوفيته وسحر المكان، المحاط بدعوات وصلوات السبعة رجال·
ثم كانت أبوظبي·· حيث الأزرق حاضر بكل هيبته، والنخل ظل ظليل للآتين من خلف بحور الشقاء، والسماحة عنوان القلب·
خيري منصور·· كان في تلك الأمكنة كلها، وكان هنا كل يوم، على ضفاف الخليج أو حيث يشتهي دائماً هناك·· في أم المدائن القدس ·
مرة كتبت له كلاماً يكاد يلامس منابت الشِعر، فأخجلني هذه المرة الشاعر خيري منصور بكلمتين اثنتين فقط، أنه لا منصور·· بلا ناصر لذا كان بالأمس لزاماً عليّ أن آتيه وهو منصور·· والخير كله له·· ولو كنت أتوكأ على عصا·· أو على قلم··