تبقى وحدها وعودنا لأنفسنا بأيام مختلفة محشوة بالبهجة البريئة، ومغلفة بضحكات حقيقية كضحكات الأطفال، هي الباقية في خضم كل تلك التفاصيل اليومية المغرقة في اللاشيء؛ ويبقى اللاشيء بلا قيمة تذكر إن لم نحقق فيه شيئا من وعودنا الخاصة، فيما يمضي العمر ويتأخر الاكتشاف المعروف منذ الأزل بألا شيء يستحق تلك المشقة سوى الفرح ووعوده. تتحقق القدرة على اكتشاف مكامن الفرح عند أولئك الذين يملكون قلوبا صافية، لأنهم الوحيدون الذين يجيدون رؤية الطريق، ويعرفون متى عليهم أن يستمروا فيه ومتى يغيروه.
نختلف كثيرا حول وعود الفرح التي ننشدها، البعض يراها في سلطة والبعض يراها في مال وآخرون في نشوة، فيما البعض لا يعرف ماهيتها ولكنه ينشدها فيضيع عمره خلف وهم ما لا يعرفه، فلا يجد الفرح فيما يستحق الفرح، ولا يجد نفسه بعد أن يمضي العمر فيما لا يستحق، ليكتشف -وهنا المرارة- أنه عاش وهما بلا وزن ولا طعم ولا رائحة، وهما مُرا، دفع ثمنا كبيرا في ما لا قيمة.

عندما تكثف كل ابتساماتك وضحكاتك وتخبئها في قصاصات ورق صغيرة، وتصر على طيها بإحكام، كأسرار أبدية، وتضعها في صندوق تغلقه بأختام النهارات الحافلة بضحكات الأحباب والليالي الساحرة، وتقرر ألا تفتحه إلا بعد أن تتحقق أمنياتك؛ ثم تكتشف بعد سنوات طويلة أن محيطات أمنياتك بلا ميناء، وقتها ستفاجأ عندما تهم بفتح صندوقك الصدئ لتخرج قصاصات ضحكاتك، أن قدميك الحافيتين تغوصان في غيوم سوداء بلا قرار، فقد تآكلت قصاصات ضحكاتك، ولم يبق منها سوى بكاء ورق، لا يستحق حتى عبء أن تنثره.


هناك.. حيث القمر يبقى وحيدا راعيا لكل الساهرين، يقاوم عتمة الليل بفرش نوره الأزرق على الأرض كملاءة باردة يملأها الحب والسلام؛ هناك التصقت على جدرانه، حاولت جاهدة تسلقها لأخبره عن هوسي بضوئه، وهدوئه واستكانته، وخجله، وكيف أن سهري لا يكون له معنى في غيابه؛ هناك حيث جدران القمر الباردة بقيت طويلا على أمل آخذ عهداً منه بألا يدع الليل يسهر بدوني، وأنه سيذهب للنوم مبكرا لو غلبني النوم مرة، ولكن دون جدوى؛ حاولت كذلك الالتفاف إلى الناحية الأخرى من وجهه حيث يقبع العالم الآخر الذي يرى النصف الذي لا نراه، رفض بشدة، وأخبرني أن عشقي له لا يبرر رغبتي الإنسانية بالاستحواذ عليه والتدخل في خصوصياته؛ وعندما حزنت، قبلني على خدي وهمس في أذني قائلا: إن ضوءه الرائع يزداد تألقا عندما يزداد عدد الراغبين في الاستحواذ عليه، وأن تلك الرغبة تؤكد أن له عشاقا، فهذا حالهم... عندما يعشقون.


Als.almenhaly@admedia.ae