صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

كانت السيارة تنطلق بسرعة الصاروخ·· وكلما مرت بجانب سيارة أخرى، شعر قائدها أن طائرة نفاثة مرت بجانبه بسرعة تزيد على سرعة الصوت·· يشاهد الهيكل أولا ثم يسمع صوتها، تماما كما يحدث مع الطائرات النفاثة عندما تخترق حاجز الصوت!·· سائق هذه السيارة ''الصاروخ'' أقسم بأغلظ الأيمان وأبى إلا أن يكون في المقدمة في كل طريق يسلكه·· لا يريد أن تبقى سيارة أمامه·· يريد أن يسبق الجميع ويطير فوق الجميع، ويسابق الريح ليكون أمام الجميع·· كان لا يرى في الشارع سوى نفسه، لم يكن يرى أحدا أو سيارة أو دراجة أو رصيفا أو مدخلا أو مخرجا أو مسكنا·· لم يكن يشاهد سوى نفسه فقط·· وكان طبيعيا ألا يبقى الوضع على ما هو عليه·· فالسرعة الجنونية ليس لها إلا نهاية مأساوية واحدة·· خرجت السيارة المنطلقة مثل طلقة الرصاصة عن سيطرة سائقها، وانحرفت بسرعة البرق عن الطريق العام، فاصطدمت بأقرب عمود إنارة بكل ما أوتيت من قوة واندفاع·· وكانت النتيجة طبيعية، فقد انشطرت السيارة المسكينة إلى نصفين·· نصفين تماما·· أخذت المركبة المسكينة تسير فوق الرصيف لمسافة 19 متراً قبل أن تصطدم بعمود الإنارة الذي شطرها إلى قطعتين منفصلتين·· وأدى انشطار السيارة إلى احتراق الجزء الخلفي منها متأثراً بانفجار خزان الوقود، وفي لمح البصر تناثر من بداخلها فوق الرصيف والإسفلت·· وما هي إلا لحظات·· لحظات قصيرة جدا، علا فيها الصراخ والآهات والأنين، وسالت الدماء، ووقع الندم حيث لم يعد ينفع أي ندم!·· النتيجة النهائية معروفة ولا تحتاج إلى أي تفصيل·· وفاة شابين مواطنين في الحال، وإصابة اثنين آخرين بإصابات بليغة قد تقعدهما عن الحركة وعن ممارسة حياتهما بصورة طبيعية ما بقي لهما من عمر·· وصلت سيارات الشرطة إلى مكان الحادث الذي وقع الأسبوع الماضي في منطقة الطوّية بمدينة العين، وبدأ المحققون التحقيق، فاكتشفوا أن أعمار الشبان الأربعة أقل من 18 عاما·· أي أنهما تحت السن القانونية·· وهم الفئة التي يطلق عليهم عالميا ··(Under Age) وهم الفئة التي لا يسمح لهم القانون بقيادة السيارة، فما بالكم بمن يقودها رغما عن أنف القانون؟·· وما بالكم بمن يقودها ثم يحوّلها إلى صاروخ عابر للقارات، أيضا رغم أنف القانون؟! ليست تلك قصة مركبة من فيلم سينمائي من إنتاج هوليود، وليست ''كليبا'' من أحد أفلام ''الأكشن''، بل هي حادثة حقيقية، وقعت في العين بدولة الإمارات العربية المتحدة·· أطفال في عمر الزهور يقودون سيارات لينهوا حياتهم بهذه الصورة المأساوية·· والنتيجة المزيد من المآسي والآلام وحرقة القلب والفؤاد لذويهم الذين كدّوا وبذلوا الغالي والرخيص من أجلهم وفي سبيل تربيتهم·· آه يا وطن·· آه··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء