صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

"بيداغوجية.."

التقيت هذا الأسبوع بمترجم صيني حضر لكي يقوم بترجمة أعمالي الأدبية إلى اللغة الصينية، فكانت المسألة شاقة عليّ، تمنيت لو أنني تعلمت الصينية بدلاً من تلك العربية التي نبشت عظامها، مضطراً أن أسايره لكي يفهم ما تعلم، حتى شعرت أنني شخص مختلف، فجأة بدّل ثوبه، وارتدى ملابس الأعمال الدرامية الرمضانية، وبدت الحروف تخرج منغمة مدغمة، في حين لايضطر الإنجليزي أن يغير ثوب لغته حينما يتقابل مع متحدث بالإنجليزية، وكذلك الفرنسي أو الأسباني، العربي وحده إن التقى أجنبياً مستشرقاً كان أو سفيراً يجيد الفصحى، صفى لغته وانتقى جملها وارتقى بها إلى مستوى ذلك الأجنبي الرفيع المقام، وإذا ما تحدث مع سائقه أو بواب العمارة، كسّر لغته وحطم قواعدها وأعجم لسانه ووضعها في الحضيض· الصيني ظل متعجباً من حلاوة اللغة العربية، متسائلاً لماذا لا تتحدثونها في الشارع، هل تخجلون منها؟ فصححت له أن العربية الفصحى لا يجيد التحدث بها كل العرب، ولا أعرف حقيقة إن كان قد تكلم بها العرب في العصور السابقة، فهناك لغة الحضر والبدو والقبائل المستقرة، وهناك لغة أهل قريش التي هي أقرب لما في أيدينا، والتي صدّرها العرب إلى بلدان الفتوحات فيما بعد، بفضل القرآن التي حفظها، وبفضل الأشعار التي حفظتها الصدور، وما كان يعلق منها ويكتب، ومن ثم بعد قرون، جاءت كتب الحديث والسنّة، والتدوين والترجمة والتأليف، ثم إن اللغة شأنها شأن الحضارات، تتطور وتتحدث أو تذبل وتترهل حتى تموت· لقد تركني ذاك الصيني أتساءل عن مدى جدية أن تبقى العربية الفصحى، اللغة القديمة، لغة حيّة، غير لغة الكتابة والقراءة والتعلم، هل يمكن أن تطأ الشارع مرة واحدة، ظل هذا الشك يراودني، لأنني أنا الذي أتعامل مع اللغة طوال اليوم، بقيت متعباً خلال حديثي مع المستعرب الصيني، خاصة حينما يسألني عن أنواع وأسماء الخضار، لأنني أشد ما أكرهه في اللغات أسماء الخضار الصعبة التي تعافها النفس، والأسماء الطبية والعلمية التي تشم رائحة النشادر فيها من بعيد· خلال حوارنا التلفزيوني الرمضاني، شعرت بآلام في الفك السفلي، وهذا كان دون تشكيل وتنوين الحروف، لأن مبدأ السلامة في اللغة العربية هو التسكين، خاصة مع واحد دارس العربية على أصولها، وشعرت أيضاً أن الفصحى مكانها ليس المطعم الزجاجي في الفندق المتلألئ بنجومه الخمس، لها مكان آخر له قدسية بيوت العبادة أو مكان يحمل إرثاً وتاريخاً، تماماً مثلما تفرش سجادة عجمية قديمة على أرضية سيراميكية لامعة، ولونها رصاصي، وهذا مرده أننا حصرنا العربية الفصحى في أماكن محددة، ولمناسبات بعينها· ولأن الشيء بالشيء يذكر، كنت في بداية عملي، وكان مديرنا مواطنا طيبا، خفيف الظل، لكن تعليمه على قده، وجاءنا طالب جزائري أو مغربي لا أذكر، يريد أن يعمل بحثاً عن المجتمع في الإمارات، ليقدمه كأطروحة لتخرجه، وكان يحمل رسالة توصية من جامعته، مذكور فيها أن المذكور في حالة ''تربص'' أي تدريب، على الطريقة المغاربية، وأن على الجهات الرسمية أن تدعمه لتحقيق مهمته ''البيداغوجية'' وحينما رأى المدير هاتين الكلمتين قال: ''خيبه·· شو يبا يسوي هذا المعثور في البلاد·· زكروا له ناصر، خلوه يعرف شو يبا·· وأها·· تيبونه عندي··''·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء