صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الفنان جابر جاسم

تحدثت ذات مرة إلى الفنان الإماراتي الراحل جابر جاسم، وكنت ألتقيه بين فينة وأخرى، وهو الإنسان المرهف الذي يتعامل بمشاعره مع الآخر ولا يميل إلى العلاقات العابرة، ولا يتقيد بالتقليد الفاتر أو الصور الخادعة، ولم تكن تجذبه الحياة ببريقها، رغم ما يتمتع به من شهرة وصيت فاق حدود الوطن.. ففي صوته ما يرتقي منه إلى طبقات الجميلة وهي ذات خاصية بالفنان الرائع جابر جاسم، وهنا تتقاطع الشخصية مع الفن والحياة والثقافة المليئة بصنوف الإبداعات، فمثله لا ينسى، وهو ذو صوت غنائي فريد وهادئ، في زمن لم تكن التقنية في أوجها، أو لم تكن ذات دلالة باهرة، لكنه تمدد بالفن الإماراتي إلى المغرب العربي ومصر. قلت له: كثيرة هي المادة الغنائية التي تذاع لك في هذه الآونة، وكان ذلك في بداية الألفية، وأضفت: رغم أن صوتك تلاشى وبات مفقوداً من المشهد الغنائي، وبتنا ننسى الفنان جابر جاسم، أو كثيراً ما نفتقد فنه.. فقال بكل بساطة، بأن الفن الأصيل دائم الحضور وفضاءه الجغرافي لا حدود له. وفعلاً هذا هو الفن الذي أبدعه جابر جاسم، مستنبطاً من الموروث الشعري الإماراتي الرصين المتلائم مع الموسيقى الجميلة والمستوحاة من حياة أهل الإمارات، وهي رؤية تكاد لا تحدث ببرامجنا الثقافية واللهجة المحلية التي باتت تنسلخ من واقعها، بينما يظل صوت جابر جاسم عذباً يسري في وجد الحياة، ولدى محبي الإيقاع المسموع المرهف. إن فناً بهذه الروح لا يضمر ولا تنطفئ خفاياه ورواده، ولا يمكن للسنوات أن تتجاوزه أو تحيد عن سماته، ولكن تطلعاتنا إلى العالمية يجب ألا تنسينا ماضي الفنون والآداب، وجمالية الثقافة ترقى بالشعوب وتصعد بها كخاصية حضارية وهي الحاضن للموروث والقيم الدالة على الشعوب، ودائماً منها المنطلق وإليها المكتسب الحقيقي للحياة، فمن الأصول أن لا نخفق في ترجمة الإرث الجميل أمام المشهد الثقافي، وهذا ليس بعيداً عن وزارة الثقافة وتنمية المجتمع في حصر بيوت الفنانين والكتّاب وسائر الممتلكات المتعلقة بهم مثل آلات العزف القديمة، وكذلك حصر الأماكن الدالة على الموروث الشعبي مثل المقاهي وغيرها من البصمات الحياتية، وليكن المشروع ضمن المقترحات التي طلبها الوزير من الجميع فنانين وأدباء. الفنان جابر جاسم أحد هذه الرموز، فلديه دلالة فنية تستحق الاعتناء بها وترجمتها إلى الأجيال. وهناك الموروث الشعري الجميل الذي كان الفنان يتغنى به وكأنه يستحضر مفردات شعرية غنائية لأهل البحر، متوجاً صوته بلغة رشيقة وجميلة. ومن أغانيه "غزيل فله في دبي" وأخرى "سيدي يا سيد سادتي" و"ضاع فكري"، وهذه بعض من الأغاني التي اشتهر بها الراحل خلال مسيرته الغنائية.. يتمنى المرء لو يعاد بثها من جزيرة دلما الجميلة، التي ولد فيها الفنان، ومن المكان الذي انطلق اسمه لكي يصبح للزوار مساراً وعنواناً جميلاً زاهيا ومكملاً لجزيرة لا تقل عن المدن التاريخية..

الكاتب

أرشيف الكاتب

قواعد الفرح الأسمى

قبل 3 أسابيع

مذكرات موظفة

قبل شهر

صدى العازف

قبل شهرين

أيقونات السفر

قبل شهرين

الحقب الثقافية

قبل 3 أشهر

منهجية الترحال

قبل 4 أشهر

جمالية الصمت

قبل 4 أشهر
كتاب وآراء