يحدث في دول العالم المتحضر والخاضع لرقابة القانون ومؤسسات المجتمع، أن يسارع أكبر مسؤول في أعرق مؤسسة يكتشف أنه تسبب في إلحاق الضرر بالمجتمع ليقف أمام الصحافة نادماً معتذراً بأكثر عبارات الاعتذار وضوحاً للرأي العام، وفي أغلب الأحوال فإن هؤلاء المسؤولين يضطرون تحت ضغط الإعلام والرأي العام إلى تقديم استقالاتهم خاصة إذا تم اكتشاف أن الضرر قد شكل انتهاكاً لحياة الناس أو صحتهم أو انتهاكاً للمال العام، وأحياناً يقدم البعض على أكثر من ذلك حينما يتم كشف تجاوزات ضخمة أودت بحياة أفراد في المجتمع مثلاً.
هذه حقائق تنقلها لنا الصحف ووكالات الأنباء من بلدان كالولايات المتحدة، وفرنسا وألمانيا واليابان.. الخ، لكننا لم نسمع ذات يوم عن مسؤول عربي انتهج الطريق نفسه، وفضل تحمل المسؤولية وخرج معتذراً للناس أو مستقيلاً من باب الاعتراف بالخطأ، شجاعة أو تجنباً للقيل والقال.
ما يحدث هو العكس، حيث يتم البحث عن أضعف موظف أو أقرب شخص ذي صلة بالخطأ ويتم تقديمه للمجتمع على أنه الشيطان الأكبر الذي لابد أن يدفع الثمن، ويلوك الناس الحكاية زمناً ثم ينسونها جملة وتفصيلاً، الموظف إلى العدم والمدير أو المسؤول إلى الترقية والمكافأة، ويا دار ما دخلك شر.
ثقافة اعتذار المسؤول، أو الرجل ذي المنصب الأكبر والأهم، هي في نهاية الأمر ثقافة مجتمع، وتربية اجتماعية متكاملة، فالإنسان في مجتمع كاليابان مثلا يتربى على مبدأ تحمل المسؤولية والاعتراف بالخطأ، وأنه كلما علت مكانة الرجل كلما كان جديراً به أن يتحلى بأخلاق الساموراي، الفرسان الذين يضعون أنفسهم في خدمة المجتمع ويدافعون عن أمنه حتى الرمق الأخير ويتصفون بأخلاق عالية جداً، كما احترام الحق والقانون ونظام المجتمع وحياة كل الكائنات جزء لا يتجزأ من ثقافة الرجل المحترم ذي الطبقة العالية والمرموقة، والأمر ينسحب كذلك على الموظف ذي المكانة العالية.
ثقافة الاعتذار تتناسب منطقياً وعملياً مع الامتيازات العالية التي يحظى بها الموظف الكبير أو المسؤول الأول في المؤسسة، فهو لا يعطى كل هذه الصلاحيات والامتيازات المادية والمعنوية للا شيء أو بدون مقابل، وإنما ليتحمل مسؤوليات أكبر ويبذل جهداً أعظم، ويكون في واجهة كل الأحداث صغيرها وكبيرها، أما أن يهرع لتبرير الخطأ، ويتجنب الإعلام، وينحني للعاصفة بهدف ان تمر دون أن تضره أو تنال منه فيضمن بقاءه على كرسيه للأبد، فتلك ثقافة الموظف الكبير في معظم دولنا للأسف، لذلك لن يعتذر مسؤول في هذه البلدان طالما تم توقيع اتفاقية توأمه بين المسؤول وبين المنصب الذي يشغله والكرسي الذي يجلس عليه.
ثقافة الاعتذار في أول الأمر ونهايته، هي ثقافة مجتمع وتربية طويلة الأمد، لا تبدأ بالمسؤول الكبير بل تنتهي عنده، إنها تبدأ من التلميذ والطالب والمعلم والإنسان البسيط في الشارع والموظف الصغير والطبيب والمهندس و..، فطالما كان هناك عمل فلابد أن يكون هناك خطأ. وحدهم الذين لا يعملون هم الذين لا يخطئون، الفرق الوحيد أن هناك أخطاءً غير مقصودة وأخطاء تحدث مع سبق الاصرار والترصد، تلك التي يجب أن نعتذر عنها علانية لأنها خطأ في حق الجميع.


ayya-222@hotmail.com