يدفعنا حب الوطن للتفكير فيه مع الشهيق والزفير، ويُحَـفِزُنـا لحفظ تراثه والانتباه لتفاصيل المكان حتى عندما يُغَيِرُ ظرف الزمان ملامح الحاضر ولا يبدو في الأفق سوى سراب لمجهول. وقد علمتني الحياة في أميركا قيمة العمل خاصة عندما ينبع من صميم القلب ويصب في مهجة الفؤاد فكنت أتوق إلى العودة حتى أعمل في بلادي وأبدأ مشواري في رصد ذلك المتغير وترسيخ ما هو ثابت ومُـستَـدام. فعدت من تجربة الغربة بحماس الفدائي والثائر وعملت في التعليم العالي لعشر سنوات قارنت فيها بنات هذا الجيل بمن نشأت معهن فاكتشفت إني من جيلٍ نشأ وترعرع في فترة ذهبية وثمينة و يثبت ذلك تركيزنا على الجوهر لا على المظهر كما هو سائد ومتعارف عليه حالياً. فبَادرتُ حينها بتصميم ورش عمـل تُـمِـدُ هذا الجيل بصور ملونة وجلية وما ترسب في أذهاننا وذاكرتنا ووجداننا عن الحياة في الماضي وتعكس سعي آبائنا الدؤوب لكسب العيش والتحدي القاسي. ولاحظت قرب الطالبات وتفاعلهن مع المواضيع المطروحة، كما لاحظت بعدهن الذي كان مُلفتاً وأيقنت بأن تلاطم أفكارهن واندماج وجدانهن مع تضاريس العولمة والأسنان الزرقاء عزلهن كما عزل جيلاً كاملاً عن أهله. لقد أصبح جيلهم يتلقى معارفه من غريبٍ مجهول يختلي بهم أمام نصب أعيننا فيلعب بعقولهم ويفصلهم عن التعلم الجماعي الذي يُـعَدُ مُدَرِسِيه من أهل الدار موارداً تُزار للاستسقاء والرِوُى. وتركت التدريس لانخرط في عملٍ استطيع من خلاله رد الجميل و البحث في الظواهر الاجتماعية والمجتمعية والتاريخ وذاكرة الإمارات. وعند أصيل ذات يوم شدني الشجن إذ تواصلت معي مدرسة من جامعة وطنية تطلب فيها أن اُحاضر لطالباتها عن منهاجية البحث العلمي، فضحك لي القدر وقلت لنفسي: أشكرك يا إلهي، لقد حققت لي كل آمالي. فأعددت عرضاً وقررت أن تكون المحاضرة هي الأفضل وكأن الباقي من حياتي يوم واحد وعلي أن اترك على هذه الأرض أفضل ما تعلمته وللدعابة أخذت معي “عسو”. وجاء حواري مع الطالبات عن الفرضيات والتحليل والاستنتاج وجمع المعلومات بخصوصية وشمولية ثم سألتهن عن العسو.. فلم تستطع أي طالبة في الفصل من معرفة اسمه؟ لقد أحبطني ذلك إلى ما لا نهاية وتساءلت في ماهية مخرجات التربية الوطنية؟ ومن حينها أقسمت على عمل المستحيل وبجدٍ واجتهاد لحفظ موروثنا الشعبي ولمد جذوره إلى أبعد حد؛ فتراث الإمارات ثروة وطنية وأمانة وهي كالماء في تقرير الموت والحياة. للعارفين أقول، أنْظُرُ إلى الإماراتِ بعين المُعجب والمُحب ولن يعرقل تفانيّ لردء هذه الهوة وظيفتي الإدارية وتطلعاتي لبهيج الأيام فهذه المبادرات الفردية الوطنية تنبع من حبٍ لهذا الوطن الغالي المعطاء وصدى كلمات الشيخ زايد -طيب الله ثراه- في آذان من مثلي وقد حث -رحمه الله- على بناء الوطن وهم من ثَمن ما تتناقله الذاكرة من الأجداد والآباء إلى الأبناء وتبقى توجيهاته و توصياته منذ سمعناها إلى يوم مماتنا نبراساً نهتدي به في حالك الأيام. د. عائشة بالخير | bilkhair@hotmail.com