صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مولد وصاحبه غائب

الفوضى في سوق الكاسيت وما يسرّب من خلالها للناس وتحشى به آذانهم، وتساهم في صنع توجههم ولا تعرف عنها الجهات المسؤولة شيئاً، هو أمر لابدّ من الوقوف أمامه، فنحن مثلما ضد الإسفاف والهبوط الفني وإفساد ذائقة الناس وصم آذانهم بغناء المجعّرين ــ ليس من أهل الطرب بل من أصحاب الخرب ــ كذلك الأمر مع الكاسيت الديني الذي يروج له في الأسواق حتى أصبحت محلات متخصصة في بيع مثل هذا النوع من الأشرطة فقط، بل غدت هناك أسواق متخصصة على طول الشارع في بعض مدننا، ولأننا سوق مفتوح وما يجري في مدينة لا ينطبق على الأخرى· ومثلما هنالك ضجيج من أصحاب المغنى هناك ضجيج آخر من خطباء الكاسيت، فكل محل يروّج بطريقته ومذهبه وحزبه، قد يتفقون على تغليب النظرة الدينية العامة للأمور، لكنهم يختلفون وكل يدعو إلى فكره وعقيدته، اتجاهات ومذاهب ودعوات وطرق صوفية وخزعبلات وشعوذة، سوق طويل وغير مراقب ولا أحد منتبه له· فالشريط لا يتعدى سعره الثلاثة دراهم وأحياناً تقدم معه هدايا لـ أختي المسلمة وقد لا تصدقون نوعية هذه الهدايا قفازان سوداوان وعطر أشبه ما يكون بالكافور لقد بلغ بهم الاستخفاف والضحك على الذقون لدرجة أن مع الكاسيت يوزع ماء زمزم ولبان مكة وتمرتان من المدينة المنوّرة، أما الكتيبات الصغيرة والنشرات فتباع بالفلس لكي تؤخذ بالجملة ويوزعها المشتري طلباً للأجر كما كتب على بعضها: اقتنها وقم بتوزيعها تنل ثواب الدنيا والآخرة· هناك بعض الأشرطة التي ظلت ممنوعة في بلدانها نراها اليوم تباع وتشترى عندنا، المحاضرات والخطب التي تسجل يوم الجمعة من كل مكان وتباع مع بداية الأسبوع هنا، بعضها يدعو للجهاد المقدس لإخراج الإفرنج من بلاد المسلمين، وبعضها تجاهر بالدعوات التكفيرية للحكام العرب وأولياء أمور المسلمين، وبعضها الآخر تسب الشاعر أدونيس وتنعته بالفسوق والعصيان والحداثة، بعضها تلعن محطتي المستقبل و الـ·بي· سي، أما نانسي عجرم وروبي فهما والحجارة وقود جهنم· سوق كبير وكل ينادي على بضاعته التي يربح فيها، بعضهم يطلبون من المرأة والأخت المسلمة أن تترفق بزوجها ولا تعصيه، لأن هناك ملائكة يظلون يلعنونها طوال الليل إن هي أغضبت زوجها الذي لا تعرف ماذا يريد بالضبط؟ وبعضهم ينادي بوأد البنات إن لم يلتزمن بالحجاب، وبعضهم يتصدر خطبته العصماء بسب ثانوية البنات: الثانوية يا قوم·· وما أدراكم بالثانوية، وما في الثانوية، وما يحدث في الثانوية؟ الأمر الآخر وهو الأخطر أن هذه الكاسيتات التي تباع للعامة فيها فتاوى واجتهادات خاصة، منها ما يساير الركب ويركب موجة توجه الشباب مثل سلسلة طالب أكاديمي ضد برنامج ''ستار أكاديمي'' وقناة الدجال الفضائية، والبلوتوث، والمغزى والعزاء في خسارة الأسهم، فتاوى تبدأ فيما يخص المذاهب، والأحكام وتنتهي بفتوى تحريم مشاهدة فيلم آلام المسيح الذي يجب أن يتوب المشاهد المسلم ويغتسل إن رأى هذا الفيلم، وفتوى في الثعبان من أحياه وأخرج ماءه وجعله ينفث السم من فيه وأحشائه، ومن تلك الفتاوى التي لا تنفع مسلماً ولا تضر كافراً·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء