الذين ينادون بحرية الرأي والتفكير أكثر من الذين ينادون بضرورة توفير لقمة عيش وثياب مناسبة لفقراء العالم الذين يتضورون جوعاً وعرياً في صحاري الجفاف ومستنقعات الفقر ومناطق الحروب والمجاعات، مع ذلك، فلا الحرية المنشودة قد تحققت، ولا الفقراء والجوعى والمرتجفون برداً ومرضاً قد خفت مأساتهم أو بدا كأن حلا يلوح في الأفق يخفف من وطء معاناتهم الطويلة، حتى قيل إن قَدَر فقراء الجوع والبرد وقدر المفكرين وأصحاب مشاريع التغيير؛ الكبت والملاحقة والتضييق منذ أزمنة بعيدة.
هناك عداء موروث ومتوارث ضد أصحاب مطالب الحرية، وكتاب الآراء المختلفة، وكأن هذا الشرق لا يحتمل فكرة الاختلاف أبداً، الكتب يجب أن تكون كلها بلون الشعر، والشعر كله يجب أن يكون بلون الغزل، والغزل كله يجب أن يكون بلون واحد، يبدأ من شعر المحبوبة ولا ينتهي عند حد، عدا ذلك، فكل الكتب ممنوعة ومصادرة ومشبوهة ومطاردة خاصة إذا كانت من نوع اعطني حريتي أطلق يدي..
في الواقع العربي، تبدو حكايات المصادرة قليلة جداً- حسب البعض - إذ لا تعدو أن تكون منع مقال من النشر، ومنع كتاب من البيع، ومنع فيلم من العرض، ومنع مطربة من الغناء، ومنع خطيب من إلقاء خطبة في مكان ما من العالم العربي، ومنع كاتب من الكتابة في صحيفة تصدر في بلاده بينما يمكنه إذا أراد أن يكتب أن يفتش في الرقعة العربية عن جريدة أخرى تحتمل هلوساته حسب رأي الرقيب الحريص على عقول الناس الطيبين من التلوث الفكري لأمثاله !!
أما إذا تأملنا التاريخ العربي منذ القرون الأولى، فإن ما سنجده لن يكون مفاجئاً بل صادماً وقاهراً وكارثياً. فلقد حرق المعتضد بن عباد كتب ابن حزمٍ الأندلسي في إشبيلية، وطارده، حتى استقر منفياً في قريةٍ نائيةٍ مات فيها كمداً وغيظاً.
بينما أقدم الخليفة العباسي المنصور على إحراق ابن المقفع حتى الموت في تنور حسب روايات كتب التاريخ.
بينما هاجر الفيلسوف ابن رشد منبوذاً من الأندلس إلى المغرب، وهناك اتهم بالتجديف والكفر، وأحرقت كتبه وهرب ابن طفيل من الأندلس من بطش فقهاء أصحاب النفوذ، وحكم على الحلاج بالإعدام، وجلد ألف جلدةٍ ثم قطعت أطرافه وهو يقول “الله..الله..في دمي” وأحرق مصلوباً، أما ابن حنبل فضرب حتى شارف على الموت. الفيلسوف المسلم الملقب (بالسهروردي) اتهم بالزندقة والإلحاد، فحبسه صلاح الدين الأيوبي في قلعة حلب، ومات فيها مخنوقاً بعد أن تسلل من خنقه إلى سجنه،
أما ابن تيمية أمضى آخر أيام عمره في سجن القلعة في دمشق يكتب على الجدران بالفحم بعد حرمانه من الورق والقلم، ومات أبو حنيفة مسموماً، أما العابد الزاهد سعيد بن جبير فقد نحر بأمر الحجاج، واتهم المؤرخ الطبري بالزندقة، ونبذ حتى اضطر ابن جريرٍ إلى دفنه سراً في الليل.
وانتهى الامر بفاتح الأندلس موسى ابن نصير، متسولاً لعدة سنواتٍ في شوارع دمشق وأسواقها بعد سنواتٍ أخرى أمضاها في السجن، لأن بعضهم أوغر صدر الوليد بين عبدالملك عليه، إلى أن تدخل عمر بن عبدالعزيز ويزيد بن المهلب لدى الخليفة اللاحق ليرأف بحاله.
قد لا نتصور كل هذا العنف والقسوة، لكنه التاريخ قد خرج من عهدة من صنعوه ليصير في عهدة من يقرأونه اليوم.. فهل نقرأه بعيون العبرة والاتعاظ؟


ayya-222@hotmail.com