في نهار صيفي في تلك المدينة التي أحب أبوظبي، الغافية على جزء من البحر وجزء من اليابسة، وفي فندق يقبض على خاصرة المدينة، والذي كان يسمى في صغرنا فندق نيهال ثم تحول حين كبرت المدينة وكبرنا نحن إلى فندق أبوظبي الدولي، لكنه بقي كما كان يقبض على خاصرة المدينة وعلى صعاليكها وزوارها المهرولين نحو جهاتهم الأربع•
في ذلك النهار المغبّر، دخلت ردهة ذلك الفندق - آه•• لكم تغير ذلك الفندق- كان الرجل القابع على الأريكة الخضراء المخملية، بحقيبته الجلدية الفرنسية، والتي تنم عن موظف دبلوماسي أو رجل أكاديمي، ملّ التدريس وأسئلة التلاميذ غير النجباء، كان ثائر الشعر، يخطه بياض غير واضح، ذاهب باتجاه الرمادي - وإن كان هذا الاسم يذكره بمدينة ووطن ومنبت رأسه العراق، غير أنه من الناصرة ومن آل حمدان، هكذا خبرني في جلسته الأولى، غير قابل للمكوث الطويل، فهو يخفق بجناحين، جناح من شعر وجناح من هواء العراق•
كان ذلك اللقاء الأول بالشاعر شوقي عبد الأمير، كانت هيئته من تلك التي قد صادفتها فجأة في مقاهي مونبرناس أو سانت ميشيل، وجه قد لمحته مسرعاً في ردهات معهد العالم العربي أو في تلك الأمسيات التي تقيمها السفارات العربية في عاصمة النور، ويكون حضورها طاغياً بالثقافة والمعرفة والفن وأحاديث السياسة المتحركة وأوجاع الأوطان، قد يكون همزك بكتفه في شارع الشانزيليزيه أو عند أحد أكشاك الصحف والمجلات التي تحتل زوايا ذلك الشارع الشهير•
جلست بعد أن سلمت عليه وهززت يده الضعيفة بقوة، كان حماسه غير واضح واعتقد للوهلة الأولى أنني ربما من العلاقات العامة في وزارة الإعلام والذي يمكن أن يقوده إلى المطار بحفظ الله ورعايته أو موظفاً حكومياً عليه أن يتابع إجراءات الضيافة والاستقبال، نظر إلى الشاب شبه المهذب وذي الثياب النظيفة والمبالغ فيها قليلاً، وقدمت له نفسي، فقال ظننتك أكبر سناً، جلست وظللت استمع إلى مشروع جميل وعربي وتنويري، ويمكن أن يدخل إلى كل بيت من خاصرة الماء عُمان إلى أطراف الماء جهة نواكشوط، وأنا أهز رأسي بالموافقة وبالإيجاب وبمزيد من شغف المعرفة، والشاعر حين يجد من يستمع له بإنصات، يحاول أن يتلاعب بطبقات الصوت وبتلك العبارات الجامعة المانعة وبفترة الصمت التي تجعل للمواضيع بعض الهيبة والرهبة•
امتلأ رأسي بالموضوع، حينها شعرت أنني جزء من مبشري العربية وأحد مبلغي رسالتها الذين عليهم أن يهووا بأجنحتهم نحو الوادي السحيق، ليرووا نبتة النور الصغيرة ويجعلوها عامرة في القلوب والعقول، ويمدّوها بالحرف والمداد والقلم وما يسطرون.


amood8@yahoo.com