في السبعين من العمر، قرر العودة إلى السكون، بعيداً عن صخب الحياة وشقائها، أن يكون منسجماً مع ذاته، أن يفعل ما يريد وما يرغب في هذا العمر الذي بدأ يقول إن المتبقي زمن قصير، ولكنه زمن يستحق الحياة، زمن يستحق أن يعاش.. في هذا المستوى من العودة إلى الذات، تذكر الماضي وشقاء الحياة، الصراع، والتنافس، والرغبة في تحقيق كل شيء، والحصول على كل شيء، أن يكون الأول في السباق الذي لا ينتهي، والذي يسقط فيه من يسقط، وينهض من ينهض؛ هكذا كان يرى المشهد في مجمله إلا بقليل منه، حيث شيء من الاختلاف. في هذه السكينة السبعينية تخيل لو عادت الأيام إلى نقطة البدء، إلى العمر الذي يتجلى فيه القرار كنهار، ماذا كان سيتخذ منه؟ كيف كان سيسير حياته؟، وإلى أين سوف يذهب بها؟ هل يقول كما يردد الكثيرون بأنهم سوف يتخذون القرار ذاته، ويعيشون الحياة ذاتها، ويكررون الأخطاء ذاتها، ويفعلون الصوب ذاته. إنه يختار أن يرتبط بمنطقة الجمال والمعقول والفاتن، يختار الحاجات الضرورية من الأشياء، الحياة الحرة، التأمل في تفاصيل الكون بموجوداته الصغيرة والكبيرة، برهبته وجلاله، الحب وهو يملأ الرئة والقلب والروح، وهو ينساب في كل شرايين الجسد، الحب مفتاح الأمل والفرح، بريق العين ونقاء التعابير ورقة اللسان ولحن المشاعر حين تسرح في روح الحبيبة وفي سحر الطبيعية وقدرة الخالق. يختار أمنيات السلام، ينحاز إلى الإنسان، إلى الفنون بكل أشكالها وألوانها وألحانها.. يختار العمل المثمر رفاهيةً وسعادةً للإنسان. هكذا يحدث للكثيرين في الحياة، حيث بعد عمر طويل تعود الذاكرة تسرد الكثير من التفاصيل، تفاصيل يتمنى الكثيرون أن يعودوا إلى نقطة الصفر كي يغيروا شكلها ويصيغوا جملها من جديد. وحديثاً أصبح الكثيرون من البشر ينتبهون في منتصف العمر ويقررون إزاحة حركة حياتهم عن السائد والمعتاد، عن الانغماس في دوامة الحياة الآلية، عن الركض المحموم نحو المادة، إنهم ينتصرون لجانبهم الروحاني والوجداني، ويذهبون بعيداً نحو الطبيعة كي يعززوا نقاط الجمال فيهم، كي يصلوا عند خريف العمر، وهم على قدرة على تأمل الماضي والابتهاج به. ولكن على الرغم من كل ذلك، ما زال الإنسان يكرر الشقاء، بهذا التجريب المجنون الذي سينهي الحياة على الأرض بكارثة، الطبيعة تنهار.. فهذا الانبعاث الحراري يملأ الأرض، ثقب الأوزون، الجليد الذي بدأ يذوب، المحيطات تتسع، والمخلوقات تنقرض، اعتداء على الأشجار ورغبة كبيرة في استهلاك الوقود الحيوي.. حروب، دكتاتوريات ظالمة، عنصرية، إبادات جماعية، إرهاب، قتل، تكنولوجيا هوجاء، تسطيح للعلاقات الإنسانية. إنها حمى بشرية لا نعرف ماذا تريد وإلى أين تجر الأرض ومن عليها؟ ولكن هل نستسلم لهذا القدر المجهول؟ أرى بأن الجواب يجب أن يكون “لا”. لن نستسلم، وعلينا أن نصر على نقائنا، على المحبة، على السلام والحاجات الضرورية، على التواصل الذي لا يشوه الجمال فينا، على إبداعنا وانصاتنا العميق لصوت الطبيعة ولمسها حتى نتوهج. saadjumah@hotmail.com