أذكر فرحتي عندما عثرت على كتاب جاك ديريدا العمدة، وسط الكتب المعروضة على الأرض في مكتبة بيع الكتب الخاصة بجامعة وسكونسن ماديسون. كان عنوان الكتاب لافتاً: (Gramatolgy – جراماتولوجيا). تبادر إلى ذهني أن الكتاب يشير إلى قواعد الأجرومية التي نتعلم بها اللغة، ولذلك فالترجمة القريبة إلى الذهن هي «النحو» أو «النحوانية» إذا أردنا التحذلق ولكن صفحات الكتاب التي قرأتها في المنزل بعد عودتي من الجامعة، لم يكن لها علاقة لا بالنحو ولا بالأجرومية، وعرفت فيما بعد أن الكلمة العنوان مشتقة من (الجرام – Gram) اليونانية التي تعني النقش أو الكتابة من حيث هي إشارات منقوشة، فعنوان الكتاب بهذا المعنى لا يفارق معنى «علم الكتابة» أو علم النقوش الخطية وغير الخطية، وهو متصل بأفكار ديريدا عن نقض التراتب المتوارث بين الصوت والخط المنقوش، وهو ما انتهى إليه بعد سنوات الباحثان اللذان ترجما الكتاب، ووجدا فيه عناءً وعنتا شديدين، وهما الصديق أنور مغيث وزميلتنا منى طلبة. وقد استعصت عليهما جمل من الكتاب، لم يكن لهما أن يفهماها إلا بعد أن جلسا مع جاك دريدا نفسه لأيام، طالبين عونه في فهم ما لم يفهماه من النص الفرنسي، وطبعا ما لم أفهمه من الترجمة الإنجليزية. المهم أني جلست ليال عديدة مع كتاب ديريدا في ذلك الزمن البعيد، محاولا أن أفهم قدر استطاعتي واستعنت على الفهم بالمقدمة الضافية التي صدّرت بها المترجمة الكتاب ولحسن الحظ، كانت الناقدة جياتري سبيفاك البارزة في الكتابات النسائية وفي الدراسات النقضية لنزعات الهيمنة في تنوعاتها المرتبطة بخطاب ما بعد الاستعمار. وكان قد أصبح واضحا في ذهني أن اصطلاح ما بعد البنيوية يشير إلى مدارس عديدة، يجمعها الانطلاق من رفض تعالي الفكر البنيوي على الفاعلية الفردية الأثيرة في الميراث الليبرالي، والتاريخ الأثير في الميراث الماركسي والوجودي، خصوصا في علاقته بالزمان والمكان والطبقة وشملت ما بعد البنيوية أتباع لاكان الجدد في التحليل النفسي، وخطاب ما بعد الاستعمار الذي برز فيه اسم إدوارد سعيد، ومجموعة منها أشكروفت الذي أسهم في كتابة «الامبراطورية ترد بالكتابة»، وكان هناك نظريات الخطاب، فضلا عن النظرية النقدية والنقد الثقافي. وهكذا، اكتشفت أن هذا العالم الذي فتح لي ديريدا آفاقه ليس عالما واحدا، وإنما هو عوالم متعددة، كان لابد من دراستها على مهل، ومتابعتها، والتفرغ لها، وهو الأمر الذي لم يحدث لي إلا بعد خمسة عشر عاما على وجه التقريب، هي السنوات التي تفصل بين إقامتي الأولى في الولايات المتحدة وإقامتي الثانية وقد حدث ذلك، حين دعتني جامعة هارفارد لكي أعمل أستاذا زائرا فيها، فأقمت ستة أشهر كاملة، أتعلم وأقرأ وأواصل ما كنت بدأت أعرفه في جامعة وسكنسون ماديسون الصغيرة بالقياس إلى جامعة هارفارد العريقة والكبيرة التي تعلمت فيها الكثير، بل استفدت أكثر مما أفدت، ووصلت من رحلة تعلمي الذاتية ما لا أظنه انقطع في يوم من الأيام.