صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في قاعة الانتظار

لو أجبرتك الظروف أن تقعد في قاعة انتظار المسافرين في أحد مطارات العواصم التي تشهد حركة مسافرين كبيرة، بعد أن اعتذرت الشركة الناقلة عن تأخر رحلة طائرتها لـ3 ساعات، نظراً لظروف خارجة عن إرادتها أو بسبب عطل فني طارئ أو بسبب سوء الأحوال الجوية، في حين أغفلت السبب الحقيقي النابع من الشركة ذاتها، المهم إن لم تكن صاحب أشغال وأعمال ومواعيد والتزامات، فيمكن أن تقضي الساعات الثلاث في قراءة كتاب، وإن لم تكن من ذوي العصبية والقلق الزائد وتدخين السيجارة وشرب القهوة المرّة، فيمكن أن تقضيها في التأمل ومراقبة الحشود الذاهبة والأفواج الآيبة: - شخص وجهه لامع من الحلاقة المزدوجة على طرفين، ومن الكولونيا الرخيص، ومن الاستعداد الزائد عن الحاجة قبل السفر، تشعر أنه مخلص كثيراً لأشيائه القديمة، البدلة، الموديل، وربطة العنق المشجرة والتي فقدت بريقها، الحقيبة الجلدية، وجريدة صدرت قبل يومين، وأوراق كثيرة وقصاصات لا تعني شيئاً، وليس بحاجة لها في سفره· - شخص مشمئز، يبدو أنه يشكو من حموضة منذ الفجر الباكر، المطار يزيد من غثيانه، والقهوة التي طلبها مرتين، والخوف من مجهول الجهة التي يقصدها، وقد تأخرت طائرتها، وبكاء الزوجة الذي جاء في غير وقته، والصراف الذي غمطه بـ7 دولارات· - امرأة أفريقية، وحين تقول امرأة أفريقية، فيعني أنها سمينة، وتحمل حقائب زائدة في يدها وعلى ظهرها، ورابطة رأسها بعمامة مزركشة وثقيلة، وجوازها في يدها وتذكرتها في يدها، وأكياس لا تسعها يدها، ومتجهة إلى بوابة مغادرة بطريق الخطأ، كل هذا ولا تشكو من مشكلة مطلقاً· - شخص لا يمكن أن تنعته بشيء إلا أنه غير واثق من نفسه، يشعرك أنه مشروع مؤجل للضياع، وأنه معرض للسرقة في كل وقت، ومن أصغر نشال، دائم التحسس لجيبه، يفتح حقيبته المربوطة بيده بين الحين والحين، يطل برأسه داخلها ليطمئن على الجواز والتذكرة والأوراق النقدية المرصوصة بعناية فائقة، عيناه لا تفارق وجوه المسافرين، عله يستمد منها بعضاً من الراحة، لو جلس في القاعة طويلاً فلن يبقى له ظفر مكتمل· - فتاتان مثل القطتين، ملابس رياضية وعلك، و''تاتو'' أسفل الظهر، وضحكة العمر الغض، والأنف المحمّر من حساسية الصباح، إحداهما تدخن بشراهة لا تتناسب والوجه الجميل، والأخرى تضع سماعات للأذن تنتصف شعر رأسها، تستمع لأغنية شبه تافهة لمطرب هزيل البنية وينقصه ماغنسيوم، وقد تعثر كثيراً في إصدار ألبومه الأول· - شخص منذ أن جلس ورجلاه تهتزان وتتحركان، حتى يكاد يعديك من هذا القلق غير المبرر، لم يجلس على ''بيْصِه'' عشر دقائق متتالية، يسأل النادل ماذا عنده؟ فيجيبه قهوة وشاي، فيطلب ماء، ثم يسأله بعد فترة عن السندويتشات، فيعدها له، فيطلب قهوة، وبعد مدة، يسأل النادل إن كان عنده ''بان كيك'' محلى بقطر مربى التوت الأسود، فيجيبه النادل أنه طبق الكافتيريا المفضل، وليس عندهم غيره أصلاً، فتنظر إلى عيني الرجل القلق مشفقاً، لأنه كان يريد أن يغير طلبه في الحال أو أن أحداً ينقذه باقتراح طلب آخر· - تجلس تتناول قطعة ''كرواسان أو شكولا'' مع قهوة بالحليب، فيأتي شخص متدثر بثياب غليظة، يجلس جنبك، ويبدأ بإيقاظ فلان من منامه برّنة تلفون، ويخابر شخصاً عن موضوع غير متضح المعالم، وبعد كل مكالمة يبدأ بسحب ما يقدر عليه من داخل أحشائه، حتى تعاف ما في صحنك، يعملها ثانية وثالثة وهذه المرّة من خاطره بصحيح، فترى الدنيا وكأنها غمامة رصاصية أمام عينيك، تحاول أن تشرب قهوتك بالحليب وهي ما زالت ساخنة، فتتذكر رنّة أخينا وسحبه العميق وصوت حشرجته الداخلية، فتذهب إليه تريد أن تسأله، أين يوجد حمام الرجال؟!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء