لكل منا نافذته الأليفة، كأنها قلبه، كأنها عيناه، يطل منها على الناس، وما ينتقي من أشياء، ويفتحها للريح وما تسرب من أصوات الطيور أو لتقاسيم المطر آخر الليل أو لشمس تبكر توقظ الناس لفعل الخير والرزق الحلال:
نافذة.. أتذكرها في بيت قديم على أطراف الواحة، بخشبها البدائي وحديدها المتصالب، تطل على سكة تأخذك في طريق مظلل بالنخيل وجدران الطين إلى سوق العين القديم.
نافذة.. لحافلة مدرسية الصق خدي عليها مستمتعاً ببرودتها، مسافراً في أحلام ما زالت ترتدي لباس الصفوف المدرسية الأولى.
نافذة.. في سيارة الأب جهة اليسار في المقعد الخلفي أناظر فيها طريقا ممتدا من العين إلى أبوظبي أو من أبوظبي إلى العين، إن كان نهاراً كان السفر من خلالها إلى عوالم تتمناها، وإن كان ليلاً كان الغوص في الظلام والمتخيل، متزامناً مع ما تبثه هيئة الإذاعة البريطانية على موجة الراديو التي لا يحب أن يغيرها الأب، ولو تشوش إرسالها.
نافذة.. في فصول مدرسية كان سهلاً عليّ أن أهرب منها بأفكاري نحو جهات الدنيا، وجثتي ماثلة أمام المدرس كتلميذ نجيب، ويحلم بكأس الطالب المثالي آخر العام.
نافذة.. في بيت قديم في المعترض الجنوبي، تتسلل منها رسالة خطت بيد مرتجفة، ومزينة بقلب مجروح، وسهم يخترقه كجزء من مشاغبات العمر البكر.
نافذة.. في المشرف بأبوظبي تطل على حديقة لم تكتمل، لكنها كانت مهبطاً للطير في ظليل الشجر، وتباشير النخل، ومكاناً آمناً لأن يصدح ديك قبل أذان الفجر.
نافذة.. في طائرة مغادرة لا ترى من ارتفاعها إلا غيماً أبيض أو سماء زرقاء، ستظل هذه النافذة مفتاحاً لسفر دائم بعيد.. وبعيد، لا تمل منه، ولا تفرح إلا به.
نافذة.. في قطار سترى من خلالها الأرياف الهادئة، والقرى الصغيرة الجميلة، سترى غابات وجبالا وأنفاقا وبحارا، نافذة كأنك تقلّب أوراق حكاية أسطورية لا تنتهي.
نافذة في باخرة، لا ترى منها إلا الأزرق، وتلك المصابيح البعيدة التي تضيء من هناك ليلاً أو تطل منها البشارة أنك وصلت لمدينة جديدة، ومرسى يفتح لك ذراعية كبحّار صغير مازال في براءة الصعلكة الأولى، ولم يعشب صدره بعد.
نافذة في الدور الثامن عشر على الكورنيش كانت الوحيدة التي تمكنني من التكحل برؤية البحر وأنا في السرير، والتصبح بمرآه حينما يوقظني وهج النهار، كانت نافذة واسعة كالقلب حينما كان أخضر، وكان معلقاً بالحب وما تهوى النفس وما يتطهرون.
نافذة.. على الشارع العام تظل مغلقة دوماً، وتظل ستائرها ساترة أبداً الضوء وضجيج الأبواق، وحركة السير، وتلك المواقف العاجّة بسيارات لم تغسل منذ وقت دون اكتراث.


amood8@yahoo.com