بعض الأشياء تصنعنا.. فلا نعرف نشكرها أم نشكر الظروف، قد تكون أمورا صغيرة، لكنها تفعل فينا الكثير، في منتصف السبعينيات.. وكنا في أواخر الصفوف الابتدائية، زار مدرستنا في أبوظبي طوّاف أو رحّالة جال العالم على دراجة نارية، منطلقاً من مسقط رأسه سوريا، كان قد أتى على الدراجة نفسها التي قطعت الطريق من تركيا إلى الأرجنتين ودول العالم، كان لباسه شبه الكشفي وتلك القبعة التي يعتمرها عادة الإنجليز أثناء الصيد في غابات إثيوبيا أو رحلات السفاري لكينيا، كان يشبه “الجوكي” في حجمه، إذا لم تخني الذاكرة الطفولية، لأن المقاييس تختلف النظرة إليها كلما كبرنا وزادت معرفتنا، وعرفنا أن نميز بين الأشياء والأحجام، يومها كان يتأبط كتاباً ضخماً فيه أخباره ومشاهداته ويومياته وصوره في بلدان العالم، لا أعرف، ولم أسأل يومها كيف توصل لمدرستنا الداخلية؟ عارضاً على أولاد صغار تجربة أسفاره في لقاء استمر ساعة ويزيد ضمن برنامج لا منهجي تقوم به مكتبة المدرسة التي كانت صغيرة، وبجهود مدرسين عرفوا الوعي، وكان التدريس رسالة يحملونها كالشرف، حتى كبرت معنا، لقد أنصتنا للرحالة السوري عدنان حسني تللو، مثلما لم ننصت لمدرسينا، خاصة أنه كان يتكلم عن شعوب وأقوام وجغرافيا وتاريخ شاهدها رؤية العين، وحكاياته الجميلة عن تلك الأسفار واللقاءات كانت لا تنتهي، لقد شعرت أنني كنت معه في تلك الرحلة الطويلة التي أجملها في ساعة في تلك المدرسة الداخلية البعيدة في العالم، وحينما انتهى، كانت أسئلة معظمنا عن الدراجة وما يتعلق بها، وعزمها، وكم بدل لها من عجلات، قليل منا من تجرأ وسأل عن أشياء تخص الأمكنة والناس، ربما لأن أحلامنا لم تسافر بعد، وبقيت أسيرة حكايات الجدات في المساء، وقصص مترجمة نقرأها عن سندريللا، وعلي بابا وحراميته الأربعين، وقصص من التاريخ العربي ممنهجة، تحض على القيم والأخلاق، غير أن تلك المحاضرة أو اللقاء بقي في رأسي، مولداً أسئلة كثيرة، لم أكن أستطيع أن أبوح بها، خوفاً من المعلمين الحضور، ورهبة من التجمع، وقلة حيلة تظل تؤجل أشيائي، حتى أستنطقها وحدي وبغزارة، وربما هذه التي جعلت مني كاتباً فيما بعد، أظل أخزّن الأمور، وأبيتها في الذاكرة حتى ألقيها مندفعة ومتراكمة على الورق، المهم بعد اللقاء كان حديث جانبي مع الرحالة استأثر به المعلمين أكثر من الطلبة، في أجواء ضيافة شبه عسكرية، عصائر معلبة، و”بسكويت” وشاي بالحليب من “البندرة أو كانتين الجندي” الملحق بالمدرسة، وحينما أراد أن يودعنا، شعر بعض الطلبة أمثالي من الذين يشكل الفراق حزنا في الداخل لأمر نحبه، لكن العزاء كان الكتاب الذي أراد أن يبيعه للذين يريدون اقتناء واحتواء تجربته، والاطلاع عليها بعمق، كان عنوانه: “حول العالم على دراجة نارية” وغداً نكمل.. ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com