صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

من على منبر التلفزيون

ظاهرة الداعية التلفزيوني بدأت مع نهاية مرحلة التلفزيون الأبيض والأسود، لأن في بداية إرساله، كان لرجالات الدين رأي مخالف لمشاهدة هذه الأداة الجديدة والعجيبة، والبعض منهم اعتبرها بدعة من عمل الشيطان، والبعض الآخر إلى الآن يحظرها على أهل بيته، بحجة فسادها، وخروجها عن الأدب والتوجه السليم والمحافظ، لكنه مع بداية إرساله الملون، وتثبيت مكانته كأداة إعلامية جبارة، قللت من أهمية الراديو، ولم تلغ مكانته، استخدم التلفزيون كمطية موصلة إلى الهدف، كالحمار يمكن أن تركبه لكن لحمه حرام أو مكروه· من يومها·· نادى بعض المتدينين بالمزاحمة على الراني أو التلفاز أو المرني، لأنه لو ترك ساحة لشذاذ الآفاق، فسيغزوه المطربون والمنحلون، وناشرو الرذيلة، فكان رأيهم أن يسدوا عليهم المنافذ، ولا يتركوا فُرجة بين الصفوف· أذكر من الزمن الأول لظهور التلفزيون، كان هناك داعية تلفزيوني، لذيذ المعشر، خفيف الدم، ذو ثقافة واعية ومتعددة، وأفق متحضر، كان اسمه الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، الذي استمر قرابة الأربعين سنة ويزيد في تقديم البرامج الدينية غير المنفرّة، مما زاد حب الناس له، ومتابعته في كل برامجه بين الإذاعة والتلفزيون وكتاباته· مر على تلفزيون وإذاعات الدولة، خاصة تلفزيون وإذاعة أبوظبي، أشكال وأنواع من الدعاة المدعين، وأصحاب البرامج التي يبدأها بآية قرآنية، وينهيها بحديث شريف، ويقول إنه برنامج ديني، ويقبض عليه مقدماً، لأنه برنامج سينفع المسلمين والمسلمات، ويغيض المشركين والمشركات، ولقد عاصرت الكثير من هؤلاء المدعين والمترزقين باسم الدين، لا أحب أن أذكرهم، لأن البعض منهم في ذمة الله، لكن أغرب موقف رأيته منهم، وظل عالقاً في الذاكرة، واحد يؤم صلاتين للظهر أو الجمعة، في وقتين متباعدين، وفي مكانين مختلفين، وآخر كبيرهم الذي علمهم السحر، كان هذا الأخير يحلف أيماناً غلاظاً، أن لا يظهر على الشاشة، وأن لا يكمل برنامجه، إذا لم يدفع له مقدماً، أو تتم محاسبته عند خروجه من باب الاستوديو، أما في رمضان والحج والمناسبات الدينية، فلم يكن من يقدر أن يعصي لهم أمراً، أما المقرئون والمؤذنون، فهؤلاء كان أمرهم أيسر حالاً، وأقل تشرطاً، أما أطيبهم وأفضلهم وأجملهم صوتاً، فكان سيد النقشبندي رحمه الله· لقد مضى حين من الدهر كان بعض المعدين الدينيين ليسوا على ملة الإسلام، رغم الشهادة بأنهم كانوا في غاية الخلق والورع والصدق والأمانة، والجزالة اللغوية، أما أكبر الدعاة التلفزيونيين وأشهرهم، الشيخ متولي الشعراوي، الذي كان قابضاً على ناصية اللغة، وقادراً على تطويعها، وأن اختلف معه الكثيرون في اجتهادات التفسير، وآرائه السياسية، لكنه كان ذا جماهيرية عربية وإسلامية كبيرة، ثم الدكتور مصطفى محمود، الذي أخذ عليه الناس في محاولته تفسير القرآن بمفهوم عصري، وأن برامجه نسخ مقلدة من برامج أجنبية يترجمها، دون ذكر مصدرها ومرجعيتها، لقد كثر دعاة من على منبر التلفزيون في السنوات الأخيرة، وتسيدوا على الأجهزة الإعلامية، وبعضهم يحظى بجماهيرية كبيرة، وإذا ما استقدم لمحاضرة أو ندوة، تجد القاعة مزدحمة وبعضهم يظل واقفاً، وآخرون يتابعونها من على الشاشات التلفزيونية الموزعة في الردهات، هؤلاء الدعاة لهم أشرطتهم المسجلة والمصورة، بعضهم بيّاع، تتسابق عليه الشركات المنتجة، حاله من حال المطربين النجوم، وبعضهم ''بو شريط'' واحد، وكثّر الله خيره، واليوم بعض هؤلاء الدعاة يصور ما يعرف بـ ''فيديو كليب'' ديني·· أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء