صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

من ذهب إلى الأسواق في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر الماضي، لا شك أنه وجد فئتين من الناس·· فئة كانت تشتري هدايا ومستلزمات وألبسة وأطعمة للاحتفال بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وفئة أخرى كانت تشتري هدايا أعياد الميلاد المجيد ''الكريسماس''·· الفئة الأولى واجهت وما زالت تواجه معاناة شديدة من تجار يدعون أنهم مسلمون، وأن دينهم الحنيف يمنعهم من استغلال حاجة الناس، وأنهم إخوة لنا في العقيدة السمحاء التي تحرم استغلال البشر، وأنهم يتبعون أخلاق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في التسامح وتخفيف المعاناة عن البشر وفي التلاحم والتكاتف الاجتماعي·· هؤلاء التجار لحسوا كل المبادئ الإسلامية الحنيفة، وألغوا ضمائرهم، وتناسوا أنهم مسلمون وأن إخوة لهم في الدين والعقيدة متضررون من سلوكياتهم المشينة، فقاموا بإخفاء البضائع عمدا مع سبق الإصرار والترصد للتحكم في السوق وفي الأسعار، ثم قاموا ببيع كل شيء يحتاجه المسلمون وغير المسلمين بأضعاف أسعارها·· هذه فئة·· أما الفئة الثانية فهي فئة التجار غير المسلمين، الذين يطلق عليهم بعض الجهلة من بيننا أسماء ما أنزل بها من سلطان، من بينها أنهم ''نصارى'' و''كفار'' و''ملحدون'' و''مشركون''·· هؤلاء التجار ''النصارى'' استغلوا فرصة أعياد الميلاد المجيد، ليخففوا الأعباء عن كاهل الآخرين، فقاموا بتخفيض أسعار كل مستلزمات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية، إيمانا منهم بالتسامح الديني والترابط الإنساني بين البشر وبضرورة التكاتف والتآلف الإنساني ومساعدة الإنسان لأخيه الإنسان وقت الحاجة·· لماذا يستغل التجار ''المسلمون'' المناسبات ليلسعوا ظهورنا بسياط الغلاء، في حين يستغل التجار غير المسلمين ممن يسميهم البعض ''نصارى'' و''كفارا''، مناسبة رأس السنة وأعياد الميلاد لتخفيف المعاناة عن البشر؟·· لماذا يستطيع التجار ''النصارى'' و''الكفار'' تخفيض الأسعار في أعياد الميلاد، بينما يجرؤ التجار ''المسلمون'' بكل سفالة ووقاحة على استغلال البشر ونهب ما في جيوبهم؟·· لماذا يصر أغلب المنتسبين لهذا الدين الحنيف على الإساءة له ولمن تبعه، فيعطي أبشع انطباع عن المسلمين بأنهم استغلاليون ونصابون وسارقو اللقمة من أفواه الغلابة والمساكين والمحتاجين؟·· لماذا ندعي نحن المسلمين شيئا، ونزعم أننا أطهر خلق الأرض وأكثرهم نقاوة وإيمانا وخشوعا وخوفا من الله، وأننا الوحيدون من بين المليارات الستة الذين يعيشون على هذا الكوكب الذين نعرف الفرق بين الحلال والحرام وبين الحق والباطل ونعرف معنى التكاتف الاجتماعي وتحريم الاستغلال، في حين أننا في السلوك نثبت عكس ذلك تماما، بل نثبت قولا وفعلا أننا أكثر شعوب الأرض براعة في استغلال المناسبات الدينية؟·· لماذا ترتفع أسعار كل شيء وأي شيء في رمضان والأعياد وأيام الحج أضعافا مضاعفة، بينما تنخفض أسعارها لدى الديانات الأخرى تخفيفا عن الناس؟·· أليس هذا نوعا من النفاق؟·· هل تظنون أن شعوب العالم أغبياء إلى هذه الدرجة كي تصدق أقوالنا؟

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء