الأديب الإنجليزي المعروف (سومرست موم) يقول “بالقليل من الفهم، وحسن الإدراك والتسامح، وبالقليل من خفة الروح والمزاج الرائق، تجد نفسك أسعد إنسان على هذا الكوكب الذي ندعوه الأرض”. هل ما يقوله (موم) صحيح؟ إذن فلماذا لا يشعر الناس بالسعادة طالما أن الشروط التي تتطلبها هذه السعادة سهلة جداً، وطالما أن مدخلهم لها متطلبات في متناول الجميع، وليست معجزة أو تركيبة سحرية؟ لماذا تنحصر أكبر مآسي الإنسان أحياناً في عدم قدرته على إدراك السعادة وتذهب سنوات العمر كلها بحثاً عن هذا الهدف الذي لم تتفق البشرية حتى اليوم لا على حقيقته، ولا على كيفية تحقيقه؟
عندما يراك بعض أصدقائك حزيناً أو في حالة ضيق أو ملل، فإنهم غالباً ما يبحثون عن أقصر الطرق لإسعادك فينصحونك بالسفر، أو مشاهدة فيلم سينمائي أو الخروج لزيارة الأصدقاء أو ..، ومع عملك بنصيحتهم إلا أن السعادة تغرد في سماء أخرى تماماً، دون أن نتمكن من الإمساك بها، ولذلك نظل نحسد الآخرين على سعادتهم، والآخرون يحسدوننا على سعادتنا، وحينما نصل نحن وهم لهذه السعادة فثمة عقبة كبيرة تعترضنا، إنها البحث عن سعادة أخرى أكبر وأجمل، مع علمنا أنه لاشيء يأتي كاملاً .. حتى السعادة!
إذا لم تقنع وتقتنع بما بين يديك، فلن تكون سعيداً يوماً، لا في حياتك ولا عملك ولا بما عندك، فالدنيا والسعادة في قلوبنا لا بين أيدينا، انظر إلى نفسك تجد أنك غير سعيد بمنزلك، لأنك تعتقد أن منازل الآخرين أجمل، فهي إذن مصدر لسعادة أكبر كما يتراءى لك، لكنك إذا حاولت التسلل إلى تلك المنازل الجميلة، فإن صدمتك قد تكون أكبر مما تتوقع، حيث ستكتشف في أغلب الأحوال أنها خالية تماماً من السعادة، وأن الذين يتحركون فيها أناس ربما فقدوا سعادتهم منذ زمن، ومعها فقدوا تفاعلهم مع أبسط الأشياء.
إذن، فالسعادة ليست في حدائق الغرباء، إنها في نفس الإنسان وبين يديه، وحوله، وعبثاً يبحث عنها في الخارج، أصل القضية أن السعادة نسبية، وأن ما يسعدني قد لا يسعد غيري، وأن قليلاً من بعض الأشياء يجعل البعض قانعاً وبالتالي سعيداً، بينما كثير من كل شيء لا يصل آخرين إلى أي درجة من درجات الرضا وبالتالي يبقى ظمأه (أو طمعه، فالأمر سيان) على حاله، والظامئ لا يمكن أن يكون شخصاً سعيداً على الإطلاق.
يقول تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)، ولذلك يوقف البعض حياتهم لتحقيق هذين الهدفين بجمع أكبر كمية من المال وبأي طريقة، والإكثار من البنين دون تعهد بالتربية والاهتمام، ثم يأتي شاكياً متأففاً باحثاً عن السعادة التي يرفل فيها جاره الفقير مع أبنائه الناجحين البارين، بينما فعل هو لأولاده كذا، واشترى لهم كذا وكذا وأدخلهم أفضل المدارس و... ومع ذلك فإنهم فاشلون وسيئون وعاقون!!
هذا الرجل وغيره كثيرون في هذه الدنيا، تجدهم حولك وفي كل مكان، والحق أن السعادة رزق في نهاية الأمر، يتوافر لدى البعض دون أن يكون له علاقة بمال أو حسب أو وجاهة، إنه استعداد وجهد إنساني وسمات تتصف بها نفوس مستعدة لقبول هذه المنحة الإلهية، وظروف محيطة كثيرة تعينك على السعادة وتمهد لك التمتع بها.


ayya-222@hotmail.com