في تفسيرهم لعجزهم عن الوقوف في وجه صناع الفيلم العنصري الذي أثار مشاعر المسلمين في كل مكان خلال الأيام الماضية، قال إعلام الغرب وسياسيوه وقادته، إنهم متفقون على أن الفيلم مقرف ومثير للكراهية، لكنهم لا يستطيعون فعل أي شيء حيال ما يحدث لأن حرية التعبير مصونة وحرية الرأي مقدسة بحسب القوانين والدساتير الغربية، هنا فإن الغرب يقع في تناقض فاضح مع نفسه لأن حرية الرأي لم تمنعه من سن قوانين تجرم كل من يشكك في محارق هتلر لليهود حتى ولو بكلمة، كما أن حرية الرأي لم تمنع إعلام أميركا من إقالة إعلاميين قالوا رأياً مخالفاً لما تراه السياسة الأميركية وكان آخرهم مراسلة السي إن إن اللبنانية الأصل أوكتافيا نصر، وقد طرد الرئيس بوش إحدى الصحفيات الأميركيات ومنعها من حضور مؤتمرات البيت الأبيض فقط لأنها كانت تصرح بمعاداتها للحرب على العراق!! إن الحرية هي إحدى أكثر المبادئ الأخلاقية التباساً في تاريخ الإنسان، إنه القانون الذي أسست له بروتوكولات وبنود ومواثيق دولية شكلت علامات فارقة في مسيرة الحضارة الإنسانية، ومع ذلك فإن المجتمعات لم تتفق عليها بما يشكل إجماعاً فكرياً أو عملياً، فكل يفسرها ويطبقها بحسب مصالحه، فتحولت عبر الزمن إلى قانون مطاط قابل للتمدد والانكماش بحسب الوضع والحالة والمصلحة، وبحسب من يطبقها، فحين يقبض على متآمر على بلاده في بلد ما يثور الغرب وينتفض انتصارا لحرية الرأي والتعبير، فقط لأن هذا المتآمر جاء من بلاد الشرق الذي يتحين الغرب أي فرصة لإثارة الفوضى فيه استعجالاً لإقرار مجتمعات الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد الذي بشر به شيمون بيريز منذ سنوات في كتاب له شهير بالاسم نفسه! أما أن يقبض الغرب على أشخاص دون إثباتات أو أدلة فقط لمجرد الاشتباه ويزج بهم في سجون ومعتقلات لا إنسانية ويمزق كتب الأديان السماوية ويدوس جنوده بأحذيتهم عليها، فتلك لا علاقة لها بالاعتداء على المعتقدات والحريات، لأن ذلك يدخل في نطاق حماية الأمن القومي للغرب، فهل الأمن حكر على الغرب وبقية الشعوب لا أمن ولا أمان لها ولا حريات ولا أديان ولا معتقدات؟ إن الذين يتغنون بحرية الرأي في كل العالم يشبهون أولئك الذين رفعوا قميص الخليفة عثمان إشارة لحرمة دم الرجل وضرورة الأخذ بثأره والقصاص من قتلته، بينما كان المشهد مجرد تمثيلية أو خدعة قيل فيها لاحقاً بأنها كلمة حق أريد بها باطل، وكذلك حرية الرأي وديمقراطية التفكير أيضاً في أيامنا هذه! لا يمكن تطويع المبادئ العظيمة بالشكل الذي نراه ولا بالبراجماتية المصلحية التي تتجسد يوما بعد يوم لصالح الأقوياء ضد غيرهم، كما أن رفع قميص حرية التعبير لن يترك على أرض الخلافات الكثيرة سوى المزيد من الدماء والخسائر والمزيد من اتساع الفجوة والصدوع في جسد المجتمع الواحد والمجتمعات الإنسانية، وتحديداً بين الشمال والجنوب، أو بين الغرب والإسلام. اليقين في فتنة الفيلم الأخير أن حرية التعبير كانت واحدة من أدوات تنفيذ مشروع الفتنة الكبرى في الشرق العربي! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com