إذا لم توافق على مضمون هذا المقال في مدخله، فسوف تجد نفسك ملزما بالتسليم له في خاتمته... ما سبق، ليس تهديدا أو تهويلا، وإنما هو درس “ثوري” من دروس الميادين والساحات، العامرة بالحناجر والخناجر.. دفعت الثورات العربية، الهادرة والمستكينة على السواء، قوى هامشية من خلفية المشهد إلى صدارته. في مصر سمعنا عن “البلطجية”، ومن ثم تعرفنا على أفعالهم. كان هؤلاء يعيشون في قيعان المدن، ويخلخلون اطمئنانها. تنطبق عليهم من القوانين تلك المواد التي تتعلق بالجريمة على أنواعها. ثم، فجأة، أصبحوا داخل المشهد السياسي يحاولون تقويض المنجز “الثوري”، وينخرطون في ثورة مضادة. مثل هؤلاء ظهروا في غير مكان. منحهم اليمنيون وأهل المغرب تسمية مقعّرة: “البلاطجة”. اختلف النطق واستقر الفعل. بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، ظهرت مثل هذه الفئة في بغداد والمدن الأخرى. خالف العراقيون طبيعتهم وواقعهم وابتدعوا لأفرادها تسمية رقيقة: “السرسرية”. وهي كلمة ذات جرس موسيقي، وإيحاءات رومانسية. في سوريا، تسمي المعارضة معارضيها “الشبيحة”، ويسمي النظام الذين رفعوا الصوت ضده “عصابات مسلحة”. تحولت التسمية إلى لعبة شد الحبل حتى الخناق من الطرفين. لا نعرف أصلا لهذه التسمية. قد يكون الشبح أو الكائن المتخيّل هو منبعها. دون أن يعني ذلك إن الأفعال التي يقوم بها “الشبيحة” غير واقعية. فالتشبيح بات يتجاوز في دلالاته الوقائع الميدانية، لكي يصبح جزءا من المناخ الفكري، الثقافي، السياسي، الإعلامي السائد في منطقتنا العربية في هذه المرحلة. مناخ انحلّت تركيبته إلى عناصره الأوليّة. كل “يشبّح” على ليلاه التي لم يعد لها مستقر في الأرض. ذوى ذلك الزمن الذي كان كل صاحب رأي يتمثل قول الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. وانتهى عصر فرسان الكلمة وهو يواجهون خصومهم بحدّة: لا أوافقك على ما تقول، ولكني سأقف معك حتى الموت لكي تقول ما تريد. كأننا في حلقة لا تنتهي من صراع الديكة في حضرة فيصل القاسم. تتضاءل عند الجميع فكرة الحوار، وثقافته، وآلياته، وأساليبه، وأخلاقياته. أصبح نفي الرأي، هو نفي للآخر. وبات تهفيت الفكرة هو تشويه لقائلها. تكتظ الساحات العربية بمظاهر “التشبيح” التي تركب الموجة الثورية إلى حيث تضيع المواصفات والمعايير: ـ مثقف كبير، عاش تحت عباءة القائد، ونظّر لمنجزاته، وتنعّم بأعطياته وجوائزه أخذ يرسم لنفسه صورة تشي غيفارا الزمن العربي المعاصر. ـ صاحب قلم هجا الثوار وشعاراتهم في البدايات راح يقيم الحجّة على إن جيناته الثورية تعود إلى سابع جدّ. ـ مقدم برامج تلفزيونية تقوّل على المحتجين والمعترضين بما تلقّنه، بات يتقدم الصفوف في ساحات التغيير. ـ شركة إلكترونيات حديثة راكمت استثماراتها من جيوب الفقراء، تعلن عن خدمة “لتحميل الرنّات والأغاني الثورية”.. ليس بالمجان طبعا. ـ “بمناسبة الثورة” تخفيضات كبيرة على بضائع وسلع، لا يحتاجها الثوار، تعلن عنها محلات كبرى و”ماركات” عالمية. ـ مؤلفون مجهولون يعرفون من أين تؤكل الكتف، يسارعون إلى إصدار عشرات الكتب بعناوين ثورية طنانة ومضامين فارغة. ـ أبرز مثال على التشبيح الصحافي، هو المقال الذي أتممت قراءته للتو... adelk58@hotmail.com