حين نكمل موشحة ابن شرف الأندلسي نجد أنفسنا حيال ظاهرتين تثيران فينا قدرا من التباعد والاستنكار، إحداهما الغزل بالمذكر على شيوعه، والأخرى مدح الأمراء والحكام، وإذا كانت الظاهرة الثانية يمكن تبريرها بأن الشعراء كانوا هم لسان الدولة تعبيرا عن سياستها ودفاعا مشروع عن حكامها، فإن الظاهرة الأولى تبدو مقترنة بدورات الحضارة والترف واتساع هامش الحرية في المجتمعات إلى الحد الذى تصل فيه إلى تقدير الجمال والفتنة للرجال والنساء معا؛ خاصة لأن المذكر الذي امتدحه الشعراء عادة كان هو الغلام الغرير الطرير الذي يقوم بدور الساقي. يقول ابن شرف: “وبدري المحيا/ فريد بالمعاني يعاطيني الحميا/ على نغم المثاني لقد حيا فأحيا/ لشاجي وعان يعد في السرور/ زمان المفلحينا/ بحسن المنشدينا” فيستعير للرجل ما يقول عن المرأة من أنها كالبدر في طلعتها، ثم يفرده بمعاني لا تتوفر في غيره دون تفصيل، وهو يعاطيه حميا الشراب على نغم الموسيقى والمثاني، وهذا هو الثالوث الذي لم يكن بوسع الشاعر مقاومته: جمال الوجه واللحن والخدر، فهو يحبه عندما يحييه ويبعث فيه الشجن والوجد، حتى يتركه في رحاب السعادة والسرور والنجاح والاستمتاع. “فباكرها خمورا/ تدين بها الدنان ولكن الأميرا/ له في المجد شان فقلدها أمورا/ يضيق بها الزمان ففي تلك الأمور/ هلاك المشركينا/ وأمن المؤمنينا” عمد شاعر الموشحة إلى القفز من المقدمة الخمرية الغزلية إلى مقصده في المدح دون ربط وثيق، فبدأ الغصن بالدعوة إلى مباكرة الخمر وهو يتلاعب بالجناس اللفظي بين الدين والدن ثم استدرك بحرف كأن منتقلا إلى غرضه في مدح الأمير، والطريف أنه يجمع بين نبرتين متناقضتين فى الظاهر، لكنهما متسقتان في منظوره، هما نبرة الاستغراق فى المتعة والشراب باعتباره من طقوس الحياة المعتادة في مجتمعات الثغور، ونبرة الحث على الأمجاد التي يضيق بها الزمان من الجهاد والحروب التي تحمي دولة المؤمنين، ثم الحث على تمجيد الأمير الذي يضمن الأمرين معا، ولم يكن هذا شأن المجتمع الأندلسي وحده، بل كان شأن الدولة الإسلامية منذ انقضى عصر الراشدين، ثم يأخذ الشاعر في مدح الأمير الموحدي “علي” بعدة مقاطع لا يتسع المجال لإيرادها كلها، فنقتصد منها على المقطع الأوسط لدلالته: “تقر لك الإمارة/ بأنك من ذويها وأنجاب الوزارة/ تكون كمجتليها كأن الملك دارة/ وأنت البدر فيها فأعواد السرير/ طربن فينثنينا/ كما كانت غصونا” فالإمارة تقر له بالمجد والعزة، والأنجاب من الوزراء الذين كان الشاعر واحدا منهم، وهنا تتراءى صورة الأمير كالبدر مثل صورة المحبوب من قبل، كما تهتز أعواد السرير من الطرب مثل تمايل الغصون، فيتماهى الحب مع المدح والطبيعة في نسق شعري واحد.