وفي طريقي من المطار إلى شقة الدقي بدأت أستجمع تصورات للشوق والتعبير عنه، وفي ازدحام القاهرة تقف سيارات بقربنا تصدح منها كوكب الشرق “الشوق آه من الشوق” وغيرها بصوت العندليب الأسمر يغرد “أسمر يا اسماراني إيه قساك عليه” وتمر سيارات اخرى بها مهرجانات تبث شوشرة شَعْبُولّه وغيره من زمرة الهشك بشك أو ما أسميه “معلاية مصر” ناهيك عن “الهرّن الملون” الذي لم أسمعه منذ صباي فقلت: نعم هذه أم الدنيا. وساد انسجام تداخلت فيه هذه الأجواء بأصوات السائقين وهم يحدثون أنفسهم، أو سائقين من مركباتٍ أخرى أو من يتحدثون إلى زوجاتهم وحبيباتهم على المحمول وتأملت ذلك عن كثب فوجدت تطابقا بينه وبين نظرية “تَصّوَر لِتَعيش” فليس من سائق سيارة في مصر من يستطيع قيادة سيارته من دون أن ينبس بكلمة!! أقول ذلك بيقين فلقد جلست في الأيام الماضية مع سائقي أجرة من خلفيات مختلفة إلا أن أحدهم جذب انتباهي أكثر عن سواه، فعندما دخل سائق أمامه عنوة وبلا مبالاة التفت إليّ قائلاً: “لامواخازه يامدام شفتي الجحش ده عمل إيه؟ ده فاكر نفسه في شقته بأه، لابس البشكير وطالع من أوضة النوم رايح الحمام؟” وبعد الضحك سرحت في عبارته، يتمنى الرجل نفسه كذلك... ويحلم برفاهية المشي بتأن من غرفة النوم إلى الحمام... وأن يستحم ويسترخي! بدلاً من سعيه اللامتناهي وراء القوت و “العيش ميتاً” وأجزم على أن الجلوس في سيارات الأجرة متعة لا تضاهيها متعة، فسائقو هذه الحافلات يربطون أنسجة المجتمع ويخيطون ثغراته التي يجهلها النائمون وهم من ينقل البشر وتصوراتهم من مكانٍ إلى آخر وفي أذهانهم خريطة المكان. وبعيداً عن “التكاسي” وبينما نحن نتمشى في أزقة الدقي “تخرطفت” فلانة وعندما التفت إليها سمعتها تقول: “الحقي عليه يا عاشة!” وسبقتني اليها فتاتان صغيرتان كانتا أقرب إلى موقع الحادثة مني، تدعى الكبيرة عبير والصغرى نورة وهممن جاهدات مساعدتها على النهوض فتقول لها نورة: “ماتعيطيش وما تخافيش..أنا برضه وقعت زيك كده الأسبوع اللي فات، بس أنا دلوقتي كويسه”. وما إن سَاعَدتُ فلانة على النهوض حتى بادرت بدورها و بسرعة ملحوظة لإخراج بعض “البهانس” للفتيات رداً لجميلهن و لتضامنهن ووقفتهن الرجولية معها في أزمة حقيقية كهذه. وجاء صوت عبير خافتاً وهي تنتظر الخردة: “دلوقتي أكيد ح تْخِفِي ياآنسة!” ومنذ تلك اللحظة تبنينا الفتاتين وكأن الله ألقى بنا عليهن من السماء. وفي صباح الجمعة جئت إلى مقهى قريب للإفطار فاستغربت وجود سندويش “روبن” رئيساً على قائمة المأكولات إلا إنني طلبته وتذكرت لاحقاً بعد أن تأكدت من جودته أنه ما يأكله اليهود يوم الجمعة “اللحم المقدد والملفوف مع الجبن” فنفضت يدي من سياسة التطبيع والسم المدسوس في غفلتنا واستفتحت الله بالعودة إلى شقة الدقي لأداء صلاة الجمعة مع سائر المسلمين. وفي المساء “تصلقت” وركبنا سيارة أجرة، ووجدت نفسي في حضرتهم وعلى استعداد تام للطرب وهز شباك القلب وجلسنا في قهوة اخترعتها “الدلوعة الطويلة” وأطربنا العازفون حتى قال الفجر “ألله أكبر” فقمنا للصلاة وألقينا بأجسادنا مستسلمين لبداية يوم آخر يفوح منه عَبِـيِرُ مِصْـر. bilkhair@hotmail.com