يحصل أن نحتاج أن نلتقي، ونفكر أين نذهب. المراكز التجارية تعج بضجيج لا يناسب أمزجتنا؛ نحن المهمومون بالكلمة. اخترعت مدن العالم فكرة المقهى الثقافي. يرتاده أشخاص يعومون في نفس البحر، يطمئنون لبعضهم، ويطرحون أفكارهم، أو فقط يصمتون في حضرة الفكرة. أشتاق لوجود مقهى ثقافي في أبوظبي. كنت اعتدت ارتياد المقهى الصغير في المجمع الثقافي قبل أن يخضع لأعمال صيانة. كلما مررت به أتذكر تلك الأيام، كنت أجلس لقراءة كتاب أو كتابة نص أو فقط التأمل للخروج من الضجيج اليومي والمكرر والاعتيادي، وكان يرتاده ناس من جنسيات مختلفة، تصلني أحاديثهم فأشعر بأن الدنيا جميلة. أناس مهتمون بعوالم الثقافة، يحضرون لحضور ندوة، أو مشاهدة معرض فني، أو حفلة موسيقية، أو فقط يلتقون في المقهى كمكان مناسب لأشخاص يتحاورون في الأدب وصناعة السينما وآفاق التطور ويتداولون أفكارهم حول مشاريع ثقافية مشتركة يودون إنجازها، مثل إنتاج أفلام قصيرة لمسابقات الأفلام والمشاركة في كتابة مسرحية. كان ملتقى جيداً، صغير لكن أفضل من لاشيء. وكان يشعرني أن أبوظبي تقع في قلب العالم. اشتهرت عواصم الثقافة العربية والعالمية بمقاهيها الثقافية. مثل مقهى ريش والفيشاوي في القاهرة، ومقاهي بيروت وبغداد ومراكش ومقاهي الحي اللاتيني في باريس وغيرها، كلها لا زالت تحتفي بآثار من جلسوا يوما على مقاعدها، وتركوا بصمتهم على المشهد الثقافي كما تركوه على فنجان القهوة. ففي هكذا مكان يلتقي أصحاب الفكر، يتداولون شؤون الحياة والكتابة، تنضج تجارب، تتطور أفكار. فالمثقفون يحتاجون لأماكنهم والمدينة تحتاج لمقهى ثقافي وهي تقدم نفسها كواجهة ثقافية عالمية تحتضن مشاريع أدبية وفنية عديدة صارت حديث الناس. وفي المقهى الثقافي يختلط المبدع الناشئ مع المفكرين الأقدم، ويلتقي المبدع المحلي مع المبدعين العرب والأجانب المقيمين في المدينة. وتشعر بخسارة حين تعرف أن مفكر كبير كان مقيما بقربك على بعد خطوات لسنين طويلة ورحل دون أن تلتقيه. كذلك في المقاهي الثقافية يمكن أن يقترب الشباب العادي من القراءة. لطالما طُرحت إشكالية القراءة وكيفية تشجيع الناس عليها، ودوماً يتردد تساؤل: لماذا لا يقرأ الناس؟، ولماذا تعاني المكتبات من ندرة مرتاديها في حين تضج المقاهي بالبشر؟ فكرة المقهى الثقافي تقرّب بين رواد المكتبة والمقهى، أي تذهب المكتبة إلى المقهى بدل أن تنتظر قدومه إليها. وجود مقهى جميل جذاب محاط بكتب وبناس تقرأ وتكتب يشجع الشباب العادي على اكتشاف مؤلفات الكاتب ويعتادون منظر الكتاب، فيتحمسون لتناوله بين أيديهم، ثم تقليب صفحاته من باب الفضول وأخيراً المغامرة بقراءته، ثم الوقوع في هواه، فإدمانه، ومن هذا الإدمان ينتج مجتمع صحي. اعتدت أثناء سفري إلى المملكة المتحدة ارتياد مكتبات مرفقة بها مقاهي كاملة. يقدمون قهوة جيدة والمكان مريح، أجلس وأستمتع بالموسيقى؛ الجلوس لشرب قهوة مع كتاب جديد في مكان تعبق في أرجائه موسيقى ناعمة كان دوما تجربة نفسية ثرية، أشعر حينها بأني أعيش وبأني طيبة وجميلة ومليئة بالمحبة. عبق القهوة مع عبير الكتب يخلق للروح أجنحة من نور. أجمل الأماكن مقهى محاط بالكتب وأهلها. والمقهى الثقافي جزء من شخصية المدينة وهويتها، فالمدن تخلق أماكنها. والأماكن تشكل ملامح روادها. فأين أماكننا؟. Mariam_alsaedi@hotmail.com