صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العرب حقل تجارب!

كما كان متوقعاً، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية المذكرة المنتظرة بطلب اعتقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير، في سابقة هي الأولى في العالم، تتعلق باعتقال وجلب رئيس دولة ما زال في سدة الحكم لمحاكمته بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور الذي هو جزء لا يتجزأ من التراب السوداني· وتباينت ردود الفعل حول القرار الذي حركه المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو، بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، للقرار الذي وصف بأنه ''سابقة خطيرة''، ولسنا هنا في وارد تفنيده أو الدفاع عن المعني بالأمر، ولكننا نتحدث عن واقع حال أمة غدت حقل تجارب لكل مشروع ومسار عالمي جديد أو اختباراً لسلطة وقوة القانون الدولي· شاهدنا جميعاً كيف قسمت وفتت أراضٍ عربية، وأعيد رسم جغرافيتها، وشاهدنا أيضاً منذ سنوات قليلة ما جرى بالعراق عندما دخلت القوات الأميركية والبريطانية ومن بعدها التحالف الدولي باسم القانون الدولي وتنفيذ البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأسقطت نظام صدام حسين الذي كان أول رئيس دولة عربي يحاكم وينفذ فيه حكم الإعدام شنقاً، ويتابع العرب والعالم العملية عبر التلفزيونات، وأيضاً باسم القانون الدولي· وها نحن اليوم أمام فصل جديد من فصول تطبيق القانون الدولي، ونتابع المراحل التي مرت بها المحكمة الجنائية قبل أن تستجيب لطلب أوكامبو وتصدر مذكرتها باعتقال وجلب البشير لمحاكمته على ما جرى في دار فور· هذا الإقليم الواقع غرب السودان ويقارب دولة بحجم فرنسا مساحة· وسيضع الرئيس السوداني أي دولة يزورها في حرج من استقباله خشية أن تتهم بمخالفة القانون الدولي لعدم إلقائها القبض على ''مطلوب للعدالة الدولية''، هذا إذا لم ترغم ''الأذراع الطويلة'' لهذا القانون الطائرة التي تقله، وتجبرها على تغيير مسارها باتجاه لاهاي، وهو سيناريو وارد وغير مستبعد أن يفاجئنا عبر الفضائيات· ولا يملك المتابع والمراقب وحتى المواطن العربي البسيط إلا الإعجاب بحماس هذا القانون الدولي ونشاطه في ملاحقة بعض القادة العرب ممن يرى أنهم ''ارتكبوا جرائم بحق شعوبهم''، وفي الوقت ذاته تغفل عين القانون عن مجرمين حقيقيين استخدموا أسلحة محرمة دولياً لقتل النساء والأطفال وتدمير قرى وبلدات ومبانٍ سكنية على رؤوس أصحابها ونسفوا دوراً للعبادة في جنوب لبنان وجنين وغزة وغيرها من الأراضى الفلسطينية، وارتكبوا من الجرائم ما ارتكبوا، ومع هذا هم أحرار طلقاء فوق محاسبة القانون الدولي لهم، بل استطاعوا أن يوظفوه لصالحهم بتجريم كل من يشكك مجرد تشكيك بحقيقة المحرقة التي ارتكبت بحقهم على يد النازيين· وقد كان أحدث ضحايا التشكيك الأسقف البريطاني ريتشارد وليامسون الذي تعرض للعزل والطرد من الأرجنتين لمجرد تشكيكه في قصة أفران الغاز النازية، بل إن الدنيا هاجت وماجت على بابا الفاتيكان نفسه لقبوله اعتذار وليامسون· ومن قبله حاكمت النمسا وسجنت لعدة أعوام المؤرخ ديفيد ايرفينج بسبب ذات التشكيك· وبذلك، يجسد القانون الدولي حق شعار العدالة ''المراة العمياء التي تحمل ميزاناً''، ولنبقى نحن العرب حقل تجارب وتصفية حسابات المصالح باسم القانون الدولي

الكاتب

أرشيف الكاتب

خدمات «أونلاين»

قبل 23 ساعة

في خندق واحد

قبل يوم

رقم قياسي

قبل 4 أيام

القاضي كابريو

قبل 5 أيام

في فرحة العيد

قبل 6 أيام

يوم عرفة

قبل أسبوع

مراجعة الرسوم

قبل أسبوع

تجميد.. وتطوير

قبل أسبوع
كتاب وآراء