صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

ختام الليلة في المنزل 21

تمنيت أن تدخل ''مدام ديفيد'' وزوجها في تلك اللحظات المسيطر فيها على مجريات الأمور، يتقدمها عطرها المحايد، والذي يشعرك نحوه، ونحوها بمودة غير دائمة، والذي يصلح أكثر ما يصلح لعاملة في ''سوبر ماركت'' المواد الغذائية التي يطلق عليها أهل لندن ''كيميتور'' لأنها تنشر صباحاً في القطار من أقصى الضواحي لتعمل وسط لندن، وترجع مساء برجفة الجوع، وعدم تناول المواد الضرورية، تعد ساعات مسائها الكئيب متسلية بقراءة كتاب اشترته مستعملاً، وقد تبيعه دون أدنى أسف منها يذكر على تلك الرواية التي شعرت في مرات كثيرة أنها مملة، وأن صديقتها لم تخلص لها النصح، وأطلقت حكماً مطلقاً على الرواية دون التأكد من محتواها· قبل أن تدخل ''مدام ديفيد'' حسب التقاليد الـ''بروتوكولية'' وبمحبة من زوجها ديفيد على مبدأ النساء أولاً، حرصت على تنظيف البيت من أي آثار للعدوان الذي شنته القطتان في غفلة مني، واستكملت الاعتناء بجيسون، وقياس درجة حرارته، والحرص على تدفئة صدره ورجليه، وكل ما يلزم من المبادئ الأساسية للعناية بالطفل، الأمر الوحيد الذي لم أستطع منع آثاره، ومقاومة ما يعرض، التلفزيون الذي سيبقى ساخناً سواء أغلقته الآن أو قبل حضورهما بخمس دقائق، ولا أستبعد أن ''مدام ديفيد'' ستتحسسه بقصد، لتطمئن على فاتورة التيار الكهربائي أنها لن تأتي عالية هذه المرة، متمنياً في نفس الوقت أن لا تظهر مشاهد في الفيلم المعروض متسعة وكبيرة للممثلة ''رومي شنايدر'' وهي في عمرها الجميل الخامس والثلاثين، وهي تغري الممثل الماثل أمامها والذي يجمع رومانسية الفرنسيين وأناقتهم، ووسامة الإيطاليين ومرحهم، ومتانة الألمان وجدهم، وأن لا تسقط ''مدام ديفيد'' أمورها الزوجية على بعلها المسكين، والذي لا يحمل أي صفة من صفات بطل ''رومي شنايدر'' ببنطاله الترابي المخملي، والفانيلة السوداء المملحة بعض الشيء، والذي نسي لحيته دون حلاقة منذ يومين بالتمام، وبنظارته المغبشة التي تشعرك أنه مدان لأكثر من بنك، ولن يقدر على السداد في الأيام المنظورة، وأن أحواله مضطربة، وغير قابلة للنقاش أو التحسن، وليس هناك أي بوادر هيمنة قد تطرأ فجأة على حياة زوجين مملين، ونهايتهما دار للعجزة في مكانين منفصلين، وقد يمتد بأحدهما الخرف بحيث لا يتعرف على شريك عمره· بقيت أنتظر قدومهما، راجياً أن يبقى جيسون يأكل أرزاً حلواً مع الملائكة، والقطتان لصقتا بالجدار تستشعران دفئاً تمنيته أن يطول، والتلفزيون ينهي فيلم المساء والسهرة الذي أمتد أكثر من اللازم· قدومهما المتأخر قليلاً التي نبهتني له كحة خارجة من صدر ''مستر ديفيد'' نتيجة تدخين شبه مستمر من غليون، وتبغ طيب، له رائحة الرجولة، وطقطقة الخشب في منزل إنجليزي يحمل الرقم 21 جاء مثل ما تشتهي ''مدام ديفيد'' وزوجها، ولأول مرة يرياني مثل تلميذ مهذب حلّ واجباته المدرسية، واستعد للنوم مبكراً، منتظراً أن يطبع قبلة على خد ''دادي وماما''· اليوم·· حين أتذكر تلك المهنة المؤقتة التي لن تتكرر في حياتي، أتذكر تلك العائلة التي غيرت بيتها، وجيسون الذي أكمل الجامعة، وفرحت له مثل أي أب، وديفيد وزوجته زارا الإمارات وأضافا للصور القديمة بالأبيض والأسود عن الإمارات، وعن زيارات رحّالة إنجليز، ومذكرات لضباط في جيش ''تي·أو·إس'' في مكتبتهما، صوراً جديدة ملونة، وأنهما يعيشان خريف عمرهما، ولم يخرفا بعد، ولا نية لديهما لدخول دار العجزة، وسيقضيان بقية شيخوختهما مثل أي أوروبيين عاشا معاً حتى أصبحا يتشابهان في شكلهما وصورتهما وملابسهما كشقيقين خرجا من بطن واحد!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء