منذ فترة تحاول نجوم الغانم أن تطور تجربتها الوجدانية بالذهاب الى مغامرات بعيدة في السينما معتمدة على دراستها ورغبتها الجارفة في إقحام الشعر في السينما أو العكس وخلق عالم واقعي ساحر يعكس اندهاشها بالحياة، حيث لكل لحظة نبضها الساحر المشحون بالصور الشعرية والرؤى والخيالات الفياضة. وخلال أعمالها السينمائية الوثائقية السابقة اقتربت نجوم الى حد ما من تحقيق الرضا لكن ليس الى حد الإشباع كون تلك التجارب واجهت دائما مشاق غير محتسبة في الانتاج والنتيجة. لكن هذه المرأة المسكونة بالتحدي تعلمت أن تدأب بصمت لتحقيق وتقديم السحر والدهشة التي تنام في وجدانها فقدمت الينا فيلمها الساحر والمبدع “حمامة” أحد الأعمال الملفتة حقاً في التناول واللغة السينمائية والطرح والمعالجة. والفيلم وثائقي عن شخصية “حمامة” وهي امرأة شهيرة تعيش في منطقة الذيد في الشارقة وتشتهر بالمعالجة والطب الشعبي، ومع ذلك استطاعت نجوم أن تجعل الشعرية السينمائية حاضرة بقوة في هذا العمل، وساعدها في ذلك روعة العالم الساحر الذي تعيش فيه بطلة الفيلم التي تسكن وحيدة في بيتها بعد رحيل ابنها الوحيد فيما يزورها البشر من كل الإمارات والخليج طلباً لعلاجها النافع الذي تعجز عنه المستشفيات. وما بين البيت والمزرعة والمطبخ تنتقل نجوم مع البطلة لترسم الكثير من المشاهد الشاعرية وسط أنين المرضى وضجيج الذكريات التي ترويها “حمامة” بعفوية مدهشة. ما يميز الفيلم حقاً هو اكتمال العناصر الفنية وتجييرها لخدمة الفكرة الشاعرية في التناول والرصد، فهناك على الدوام حالة من السرحان للكاميرا التي تميل وتشطح في الزوايا والأركان لترصد انطلاقة طير هنا أو انحناء غصن هناك. وكانت معالجة الصوت في منتهى الدقة حتى انك تشعر أحيانا أنك داخل الفيلم. كل ذلك متبوعا بتصوير في غاية الإحساس بالأشياء وتنويع ولعب رائع في زوايا التصوير والمونتاج. نجوم الغانم المشغولة بالسينما والشعر وكلاهما في آن، طورت في السنوات الأخيرة تجربة روحية عالية أساسها الهدوء والتأمل وقراءة الأشياء بعمق، هذه التجربة هي التي دفعتها الى الاقتراب من أعماق شخصية “حمامة” وإحساسها بوجود شبه أو رابط ما خفي مع العالم الساحر لهذه الطبيبة الشعبية الروحية، وهو عالم يقوم على محبة الناس جميعاً ومعالجتهم من غير تحيز لفقير أو غني، عالم يحمل الكثير من الرسائل الرائعة لمعنى أن تكون إنساناً صافياً، تكره النميمة والكذب وتعرف كيف تقرأ الإشارات والرؤى والأحلام التي تراودك. في الفيلم ايضا لغة روحية في غاية النبل، عندما تقبل حمامة أغنامها ودوابها، وتعانق مرضاها وترى في الحياة مجرد خدعة ينبغي عدم السقوط في فخها الزائل. ولكن عندما تتعانق السينما مع الشعر وتتحد اللغة مع روعة الصمت الروحي تولد بالتأكيد حياة جديدة. akhozam@yahoo.com