حق تقرير المصير، هل هو كلمة حق يُراد بها باطل، أم أنه مشروع في استعادة حقوق قد تكون ضائعة في ثنايا الجغرافيا، أو تائهة في غابات التوحش الإنساني، أو قد تكون فقاعات على سطوح مياه متهورة، أو رغاء إبل متصورة لنفي حرية استبيحت على حين غفلة.
قد يكون كل ذلك، ومع ذلك، يبقى الوجدان العربي المجروح بالهزائم، وولائم الاحتفالات التنكرية، يصبو إلى قارعة طريق لا يقلقها طنين ذبابة، ولا هدير دبابة. وجدان نشأ على الأحلام الواسعة، والآمال المرتفعة إلى سقف السماء، والأمنيات التي لا تحدها حدود، فإذا به يصحو فجأة، على انفصال في السودان، وتقرير مصير في العراق، وحراك عصبي في جنوب اليمن، وأمازيغيين تفور قدورهم في الجزائر، وتنانير أخرى في أجزاء الوطن الكبير، تُعد خبزها لأيام مقبلة، للحرية لون مبهر، ومذاق بطعم الحياة، لكنها أحياناً تؤخذ على حين غرّة، فتفصل الذراع عن الجسد، فيبدو شائهاً معاقاً، لأنه بذراعه يقطف زهرات العمر، وبذراع يتسلق جذوع الشجر ليأخذ تفاحة ازدهاره.
الحرية بداية النطق بكلمة حب، لكنها أحياناً تغشاها غاشية ما تضمره القلوب، وما تغمره الدروب، فتكون الآزفة التي تزلزل، وتخلخل، وتجلجل، وتجعل من الوطن الواحد أوطاناً، وأشتاتاً، وطرائق قددا.
الحرية عندما تكسو التراب، تجعله زاهياً مزهراً، مزدهراً، لكنها أحياناً تؤخذ كما تؤخذ العصافير من أقفاص الكبت إلى فضاءات مغبرة، مصفرة بكربونات معارك وضغائن.
الحرية رائعة كالمرآة الناصعة، لكنها عندما تجلب بعلب مغلَّفة بشموع أشبه بخيوط الأكفان، فإنها تكون مزرية وعقيمة، ومدمرة وقاهرة، وكاسرة وجائرة، تحتاج إلى شرطي مرور حازم وجازم يوقف تدفقها، وانثيالها اللامعقول، لأنها بلا هدف، ولا هدف لها غير رد فعل عصبي لأفعال أكثر حماقة وصفاقة.
الحرية التي تتجاوز حدود الآفاق الواسعة، منكفئة في أتون أعراق أو أديان، فإنها قنابل موقوتة، وألغام تحرق الأكباد، وتشوي الأقدام، ولا طائل منها غير النهايات البائسة واليائسة والعابسة. الحرية المنزوعة عن تقرير المصير، والمصير المخلوع من زواج حوله علامات استفهام، يحتاج إلى قضاة محايدين، ورعاة متصالحين مع أنفسهم، وحماة تحميهم ضمائرهم من الترقيع، والتشنيع، والتمييع، وإضاعة ما لا يمكن القبول بضياعه. نطلب من الله أن يحمي يمننا وعراقنا، وأن يحفظ كل بلد عربي، من غي وطي، فمهما ارتفعت حرارة النزعات فلا أجمل ولا أكمل من أوطان يحفظها أهلها من البيع بالتجزئة، ومن قرابين لا تسكنها غير الثعابين.


marafea@emi.ae