لا يمكن وضع معايير محددة، تمكِّن المشاهد من الاستمتاع بالفن التشكيلي، بل إن كلاً من الفنان والمشاهد يتفاعلان مع المنتج الفني قبل وبعد إنتاج العمل، فالفنان الذي أضاف مشهداً فنياً، قد أضافه بعد حالة مخاض، ولكن بعد المخاض والولادة يستمتع الفنان بالمولود الجديد، فتجد الفنان يلمس هذا الطفل، يضع أصابعه على نبضه المتناهي في الصغر، ويعلِّم الفنان الطفل قواعد بناء عالم متكامل من المتعة البصرية والبصيرية، وبعد أن ينضج هذا الطفل وتكمل خلايا دماغه، يقدمه للمشاهد لكي يستمتع بالأداء الحركي الذي يقوم به هذا الطفل الناضج. قد يمتنع المشاهد عن الحضور وقت الافتتاح، ولكنه يزور هذا الطفل الناضج، طوال فترة العرض، وأحياناً من شدة المتعة التي يعيشها المشاهد مع المشهد أو المنتج المعروض، يقترب من هذا الطفل الناضج، أي من المنتج الفني، ومن ثم يبتعد، فيراقص المشاهد هذا الطفل عبر قدميه، فيشكل رقصة الفلامنكو التي تكون تعبِّر عن الرضا واللذة البصرية، وكذلك تعبِّر عن التلاحم بين فكر الفنان والمشاهد. عبر المتعة التي تعيشها ذات الفنان والآخر، تتأصل الهوية ويدون التاريخ لحظات النمو الثقافي للمجتمع المحيط بالفنان، ويبني الفنان جسراً طويلاً من التواصل الروحي بين الداخل والخارج، هذا الجسر الطويل هو عملية خلق للحظات من الربط والفك البصري، أي الربط بين العلاقة الثلاثية وهي الإنسان والبيئة والتكنولوجيا، وفك العلاقة بين هؤلاء الثلاثة يمثل لحظات خلق للمتعة الفنية، يتلقاها الفنان والمشاهد. عندما ينتهي الفنان من عملية الإنتاج، يبحث عن مكان يُمكن المنتج الفني من الظهور، وقد يكون هذا المكان عبارة عن قطعة إسمنت، وضعت بجانب طريق عام، ولكن هذه القطعة المستخدمة في عملية العرض، تكون تحت راية مؤسسة ثقافية، هذه المؤسسة تمتلك تلك القطعة الإسمنتية. والهدف من عملية العرض، جر المشاهد نحو طريق طويل من المتعة البصرية والفكرية، فتجري هذه المتعة بين شرايين وأوردة المشاهد الفار من صالات العرض والمحروم من هذه المتعة الفكرية، فعندما يبتعد المشاهد عن المنتج المعروض على ظهر قطعة الإسمنت، يشعر بالجوع والرغبة في تذوق الفن، فيعود مرة أخرى لقطعة الإسمنت، ولكن الشريط الزمني الموجب يكون قد جرف المنتج الفني نحو صالة العرض، فيخاطب المشاهد قطعة الإسمنت ويسألها عن مولودها الصغير، وهل ما زال على قيد الحياة، أم أن الشمس حرقت الطفل، ودفعته نحو الموت، لكن قطعة الإسمنت لا تعرف لغة الكلام، ولكنها تضيء لكل من يمر بجانبها رسالة مغروسة على سطحها الجامد، هذه الإشارة الضوئية تشير إلى صالة العرض، فيتحرك المشاهد نحو صالة العرض بحثاً عن متعة الفن التي يعيشها عبر المنتج الفني. التكنولوجيا قادرة على جر المشاهد نحو المتعة الفنية، ولكنها عقيمة وتحتاج إلى فكر بشري يعلِّمها الوسيلة المناسبة لكي يتحرك المشاهد نحو الجمال الفكري والبصري، قد تتدخل البيئة فتمنع المشاهد من الشعور باللذة، ولكن فكر الفنان أقوى من أن يهزم وأقدر على تحدي الصعاب، بل قادر على تسخير البيئة لإيصال المتعة الفنية للمشاهد. science_97@yahoo.com