استراحة الجمعة...
من الأفلام التي تطرقت لمذهب الواقعية في السينما العربية، فيلم قديم من بواكير أعمال المخرج الراحل صلاح أبوسيف، كان اسمه الفتوّة وهو فيلم يبدأ بمشهد للممثل الراحل فريد شوقي في دور هريدي وهو يدخل السوق طلباً للعمل ولقمة العيش، وفي زحمة السوق يأتيه كف ساخن على مؤخرة رأسه (قفاه)، فشعر ساعتها بحرارة الكف وحرج الموقف، وسخونة الرقبة التي أصابها الذل والمهانة أمام الجميع، فلبد في مكانه، وقد بدت عليه الحيرة والخجل، وتلبد الموقف حيث لم يستطع أن يبدي أي ردة فعل، بالعاً المهانة كلها في تلك الساعة وذاك الوضع المهين·
خرج من السوق بعد أن وبخته امرأة كانت تقوم بذاك الدور الراحلة تحية كاريوكا، لأنه لم يرد على تلك الصفعة التي جاءته مباغتة، فتحجج بلقمة العيش التي تقسم الوسط، وتجعلك تتحمل إهانات الآخرين، قرر بطل فيلم الفتوّة ألا يرجع إلى السوق، إلا بعد أن يشتد عوده، ويقوى ساعده، ويعمر جيبه، وهذا ما تحقق، بعد تغلبه على الفتوة السابق الراحل زكي رستم، فأصبح سيد السوق وفتوتها، وأحكم سيطرته عليها، وبقي آمراً على المكان، يضرب ويفتك، ولا ينسى تلك الصفعة التي تلقاها يوماً، فيردها إلى كل الناس المتعاملين في ذاك السوق وتلك الحارة حتى يتوفى، لكن مشهد الفيلم لا ينتهي عند موته، فيأتي المخرج صلاح أبو سيف بمشهد يشبه مشهد البداية، وهذه المرة يكون الممثل القدير الراحل محمود المليجي، حيث يظهر في مشهد واحد، وهو يدلف إلى السوق، حيث يتلقى صفعة قوية على (قفاه)، فلا يحرك ساكناً، فتظهر هدى سلطان لتكرر ما قالته تحية كاريوكا في أول الفيلم·
بقيت هناك شخصية في الفيلم وهي شخصية عبد الشكور وقام بالدور الممثل الرائع والراحل توفيق الدقن، حيث كان صبياً للفتوة السابق، وبقي صبياً للفتوة الجديد، وسيظل صبياً وفياً للفتوة القادم، عمله كان المكيدة والهمز واللمز والخبص، وتحريض الفتوة على الناس، يتمسكن، ويظهر ما لا يبطن، يدعي الوداعة، لينعم بطول العيش وحده·
نخرج من قصة هذا الفيلم وحواره الذي كتبه الفنان الراحل سيد بدير عام 1957 إلى واقع الحياة، فنرى أن أحداً قد ضرب على قفاه بالأمس، وهو غافل، واليوم يريد أن ينتقم بأي شكل كان، بعد أن عمر جيبه واشتد عوده وقوى ساعده، السوق الذي في الفيلم هو عالم اليوم، وفتوة العالم الجديد لا يخفى على الجميع، وصبي الفتوة، تعرفونه حق المعرفة، أما من استطاع أن يوجه ذلك الكف الساخن، فلا يعرفه أحد، حيث ضاع دمه بين القبائل، لذا سيقوم الفتوة وصبيه الصنيعة، بالفتك بكل القبائل، فربما يستأسدون اليوم على هوازن، كما فتكوا بالأمس البعيد ببني بكر وتميم، وحيّدوا خزاعة، وأمنوا غضبة بني تغلب·
هل قلنا كلاماً في السياسة·· في استراحة الجمعة·· أم هو كلام في الحياة··