يشكل التواصل الثقافي بين الشعوب إحدى الضرورات المهمة التي يجب أن تتكرس بعمق، خاصة في زماننا الذي أخذت فيه الحواجز تسقط بفضل الانفتاح الاقتصادي والإعلامي الضخم، والاتساع المذهل لوسائل الاتصال الإلكتروني الذي يشهده العالم، وبات الانتقال من أقصى الأرض إلى أقصاها أمراً سهلاً، ولا يشكل أعجوبة أو خرافة، ولم يعد معنى الانغلاق على الذات ـ ذات الشعب أو الأمة ـ ذا جدوى، فالاختراق قد تم بالنسبة لحواجز الايدولوجيا والمسافة والزمن، لتبقى بذلك محاولات الحفاظ على الإرث السكاني فعالة من الأمور الصعبة جداً، بل معضلة من معضلات العصر الحديث. لكن في هذا الانفتاح الضخم بالنسبة للشعوب على بعضها بعضاً نكون بحاجة إلى صياغة فهم متجاوز لما تطرحه السياسة على خريطة العالم من تكريس الفرقة الروحية بين الشعوب، من خلال تمييز الشعوب بناءً على الايدولوجيا، خاصة الدينية منها، هذه النعرة التي تمعن في تفريق الشعوب، حتى أننا أصبحنا نرى إمكانية القتل من أسهل الأمور التي يقوم بها هؤلاء الذين انطوت عليهم خدعة القتل المبرر الذي روج له المتعطشون إلى رؤية العالم وهو يحترق، والموت وهو يحصد البشر كل يوم. وذلك بدل العمل على التقريب بين الشعوب لأن تعيش في سلام وقبول الجميع لبعضهم بعضاً، وأن يكرس الجمال ليكون الحاضر على الدوام في منطق التواصل وليس القبح الذي يتمثل في التعصب والتشدد والإصرار على الرؤية الواحدة والرأي الواحد، وكأن الأرض بكل شساعتها هي ملك لفئة واحدة من البشر، لها الحق أن تقرر ما هو الصواب وما هو الخطأ، وكأن العقول عليها أن تنصت لخطب العته في هذا العالم، خطب تأتي من الشعوب أو من الحكومات أو من الأفراد، خطب تكرس ماذا عليك أن تتكلم ومن تحب ومن تصدق وماذا تأكل وماذا تلبس. فيما الأرض كلها براح للإنسان أن يعيش عليها بسلام، ويتواصل بحب، ويغني بفرح، ويرقص بفرح، أن يغني ما يجعل القلوب ترق، والروح تسرح في فضاء الخالق.. أن يرقص على العشب، وعلى الماء، وفي الهواء.. أن ينتقل براً وبحراً وجواً.. أن يتكلم الكلام الجميل، النبيل، الحنون، الرقيق، المحب والصافي.. أن يسمع ما يريح الأذن، أن ينصت للهواء وهو يداعب الماء.. وهو يداعب الشجر وأطراف الوردة وشعر الحبيبة، أن ينصت لموسيقى الطير، وتغريد البلبل، وغناء الكناري.. أن يجعل العين تحدق في الوجوه بلطف ولا تنكسر، تحدق في الألوان وتنتشي، تحدق في الرسم، في مشهد الحديقة.. في مشهد السماء بنجومها وقمرها بشمسها وغيومها.. تحدق في امتداد البحر وهطول المطر، في مشهد الأطفال وهُم يرقصون قرب الموج وقرب النار، قرب البراءة، وفي روح المحبة. saad.alhabshi@admedia.ae