أمضيت أوقاتاً من عطلتي بصحبة عدد من إصدارات “كلمة”، هذا المشروع النهضوي الرائد الذي انطلق من أبوظبي، وهي تحمل مسؤولية تنويرية تعيد للكلمة دورها وألقها، تتكئ على إيمان ثابت ونهج راسخ بأهمية الحوار بين الحضارات والأديان، والتفاعل معها من خلال الترجمة التي تعد واحدة من أبرز دعائم الحضارة الإسلامية.
كما يجسد المشروع رسالة حب وسلام قامت عليها الإمارات منذ النشأة والتأسيس لأجل عالم يسوده التسامح والتعاون والتفاهم لأجل خير البشرية والإنسانية قاطبة.
توقفت متمعناً أمام كتاب “كيف صنع الإسلام العالم الحديث؟”، وهو من إصدارات” كلمة”، مـن تأليف مـارك غراهـام صاحب الروايـة التاريخيـة الشهيرة ”ماريا السوداء”، وأستاذ التاريخ الوسيط والدين في إحدى الكليات الاميركية. الكتاب الذي يخاطب العقل الغربي، وإتاحة المشروع للقارئ العربي، يدعو ذلك السواد من الغربيين ممن ينظرون للعقيدة السمحاء والمسلمين بأنهم مجرد اتباع دين يروج للعنف والقتل واستئصال الآخر. يذكرهم المؤلف بأنه “عندما كانت أوروبا تتخبط في ظلمات القرون الوسطى، كان العالم الإسلامي ينعم بالمستشفيات والأدوية والموسيقى. وعمل في بيت الحكمة جيش من المترجمين والعلماء الذين نقلوا حكمة الإغريق ومعارف الهند وعلوم الفرس الى العربية. وفي مطلع عصر النهضة كان الأوروبيون يتعلمون من فلاسفة الأندلس”. ويخلص المؤلف الى أن “الأهم من كل هذا هو أن المسلمين علموا الغرب الأسلوب العلمي في التفكير والمنهج، وهكذا انتشل الإسلام الغرب من القرون الوسطى ووضع أقدامه على عتبات عصر النهضة”.
ولا شك فإن موضوع الكتاب وترجمته يصب في إطار جهد مقدر قادته العديد من الدول الخليجية والعربية والإسلامية وفي مقدمتها الإمارات للتعريف بالإسلام ودعم حوار الأديان، بعد ذلك العمل الإرهابي الخسيس الذي أقدم عليه نفر من المحسوبين علينا في الحادي من سبتمبر 2001، وتغير من بعده العالم. وفي الإطار ذاته أيضا شهدنا إقامة العديد من المؤتمرات وإنشاء كراسي ومراكز في الجامعات الغربية المرموقة من قبل دولنا الخليجية بالذات.
واليوم بعد مرور أكثر من عقد على ذلك اليوم المشؤوم، وما أعقبه من “حرب عالمية على الإرهاب”، نجد أن المعسكر الآخر، لم يبادر بمثل مبادرات العرب والمسلمين، والبلاء الحسن الذي أبلوه في هذا الاتجاه لتصحيح الصورة المغلوطة عن دينهم.
وخلال فترة قراءة ذلك المؤلف، ومن مكان إقامتي في بلدة أوروبية صغيرة، رصدت من تليفزيونها المحلي عددا من حوادث التعصب وكراهية الآخر. وزاد الجدل في البرامج الحوارية صدور الحكم بحق مرتكب مجزرة المخيم الصيفي في النرويج، وقد كان عملا من أعمال اليمين المتطرف، وإن زعم صاحبه بأنه أقدم على فعلته منفردا.
إن تعزيز ثقافة التسامح والتعايش عمل في اتجاهين، إذ لا يمكن أن يؤتي ثمره، والنتائج المرجوة منه، إذا كان فريق يعمل بإخلاص والفريق الآخر يتحرك بعقلية الضحية، ويحمل التبعات لغيره من دون أن يبذل من جهته ما فيه الكفاية للجم أعمال التعصب والكراهية التي تجري أمام ناظريه، والمجال لا يتسع لمجريات أحداث التسعين يوما الماضية.
أخيرا كل التحية والتقدير لـ”كلمة” والقائمين على المشروع.


ali.alamodi@admedia.ae