نحتاج لأن نرصد وجوه الناس وتفاصيلهم، الرجال والنساء، الكبار منهم على وجه التحديد، لنحتفظ قدر الإمكان بهوية المدينة وتاريخها، فمن خلال هذا الرصد، نتعرف على تفاصيلنا، رائحة الناس، شكل أياديهم لون كلماتهم وعيونهم، إشاراتهم ومعانيهم، من لحظة أن يرحبوا بك فيلونون الفضاء الفاصل بينك وبينهم بكل قاموس الترحاب والأهلاً وسهلاً، إلى أن يفتحوا أمامك كل أدراج الكلام والحكايات فيسقطونك في عمق الصحراء وبساطة كل الناس هنا!
“مريم” واحدة من هؤلاء الناس، تشعر بأنها تضعك في عمق قلبها لمجرد أن تراك مطلاً عليها، وإذ تجلس تجعلك بقربها لتسكب في روحك من خفة روحها وبهجتها ما يغير مزاجك إلى البهجة الكاملة، تقول لك أخبار المدينة وأخبار الناس، وماذا قال أبو عمر في البث المباشر وأبو راشد في إذاعة عجمان، تعرف حكايات تقاعد الشباب، تعرف الفرق بين الشغالات الأثيوبيات والفلبينيات وإن كانت تفضلها سيلانية، وتضحكك بقصص المشاجرات التي تشتعل بينهن، لا فرق بينها وبين أي سيدة سبعينية، لكن لديها ظرفاً فائقاً وقدرة على التأثير وسعة صدر تمنحها حالة من الأمومة الدافئة التي يفتقدها كثيرون ممن فقدوا أمهاتهم وجدّاتهم، حينما دخلت عليها مساء الأمس كان الفرح يلون تقاسيم وجهها الصغير، وكان صوتها مزيجا بين الحمد والشكر والغناء. سألتها عن سر الفرح؟ أجابت إنه المطر!!
لاشك عندي أن الناس في هذا المجتمع بسطاء بالفطرة، طيبون بالمزاج، كرماء بالطبيعة، ومتدينون بالوراثة والجينات، يفرحون بالمطر كما الأطفال كبارهم قبل صغارهم وقد يذرفون دموع البهجة والخشوع ويخرّون لله سجداً لأنه منحهم قطرات مطر كادوا ييأسون من هطولها ذات شتاء، هؤلاء الذين يبنون الأبراج ويعبرون الفضاء بطائرات الكونكورد ويسكنون فنادق الخمس نجوم إذا سافروا عواصم الشرق والغرب، يتخرج أبناؤهم من جامعات كامبردج وهارفارد وييل ويشترون ثيابهم من أرقى دكاكين الموضة في ميلان وباريس، هؤلاء يشدني إلى قلوبهم نقاء لا يزال يمنحها بساطة الأيام القديمة الصعبة، ويستوقفني أنهم بعد كل ما سلف لا يزالون ينتظرون المطر كبدوي ستموت نعاجه جوعاً إذا لم ينبت العشب على مفاصل الصحراء شتاء.
تساءلت لماذا تضج المدينة بالبهجة إذا هطلت الأمطار فجأة على غير عادة كل الناس في كل الدنيا، فإما تجدهم حانقين على هذا المطر الذي لخبط برنامجهم اليومي، وإما أنهم مستاؤون لما يسببه من أوحال وصعوبة في التحرك والتنقل، بينما الناس عندنا تتهادى التحايا والتبريكات وتسميه الرحمة وما من يوم يسقط فيه المطر إلا وتأتيك رسالة تقول لك مبروك عليك الرحمة.. لماذا هذا الاحتفاء بالمطر والناس لا تزرع ولا ترعى ولا تشرب منه؟
ببساطة لأن الناس لا تزال مرتبطة بالسماء، بخالقها أكثر مما نتصور، وحين يهطل المطر يتنفسون الصعداء، ويشعرون بالراحة، ويفرحون كما كانوا في طفولتهم، الحمد لله على رحمتك.. هم إذن في رحمة الله ورضاه.


ayya-222@hotmail.com