صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

في عز اليقظة التي انتابت القطتين، وصراخ الطفل جيسون، وتنبه القائمين على التلفزيون البريطاني بعرض فيلم المساء والسهرة، والدوار الذي أصاب سكوني وهدأتي، في وظيفة لم أطلبها يوماً كجليس لطفل إنجليزي، كان يمكن أن أتنازل وأتحمل صريخ الطفل لكن من غير بلل، ثم تنازلت ورضيت بالصراخ وبالبلل، لكنني لا أطيق، وسأحتج بعنف وشدة على الحفاظات، خاصة حين تتدلى من الطفل كالمخرافة من ثقلها، كله عاد ولا اللعب في المناطق الموحلة، وأي غلط مني، أو فتنة في وجه الصبي من غير قصد، والتي نبهتني عليها ''مدام ديفيد'' أكثر من مرة، وأوصتني مراراً وتكراراً بعد عملها بالذات في لندن، يمكن أن تزيد المسألة سوءاً، ويمكن أن تجعل جيسون يلعب لعبته القذرة، وأنا مش قدها، ولا بقدر نتائجها المترتبة بعد ذلك· ظللت أسلي جيسون، وأحاول أن أضحكه علّه ينام، وألاطف القطتين بعين حمراء، وأخرى باردة، كفاً لشرهما، ولمتابعة فيلم السهرة التي تبدو فيه بطلته ''رومي شنايدر'' وكأنها ولدت لتغري طلاب الصف الأول الثانوي بالذات، أولئك الذين ودعوا النجابة، والذي يصر مديرهم السمين أن يفزعهم بعدم الحضور إلا برفقة أولياء أمورهم· جيسون كان يغط في النوم في حضور أمه على ربع الدلع الذي أدلعه الآن، وبأقل قدر من المذلة التي أذلني بها هذا الصبي الذي قد ينضم إلى البحرية الملكية في كبره، ورغم ذلك ظل مسمراً عينيه في السقف حتى تملكتني الدهشة، وأفزعني القلق عليه، فالأطفال في مثل حاله وعمره، لا يئنون ولا يتوجعون، وبكاؤهم لا يفهمه أحد غير أمهاتهم، وأم جيسون غائبة، وربما رأسها مثقل بأحاديث الحانة المزدحمة والصاخبة، وبآمال كان يرميها زوجها ديفيد في فضاء المتخيل والممكن، والتي لا تأتي عادة كما تتمنى النفس، خاصة حين يكون فرحاً بعض الشيء، من غير أن يحسب حساباته بدقة، أما أنا فلا أخفيكم أنني بقيت متعاطفاً مع ''مستر ديفيد'' إلى آخر لحظة من وجودي مع تلك الأسرة الإنجليزية المثالية، التي تعرف ماذا ستفعل بعد ستة أشهر من الآن، وماذا يترتب عليها من ضرائب ومصاريف محسوبة بعد الانتهاء من شهر سبتمبر مباشرة، وبداية حلول فصل الخريف، كما لا أخفيكم أني كنت أعتقد قبل سفري أن ''مدام ديفيد'' قد تشبه شيئاً من تلك الأم المنعمة في ظل وخرايف نخيل العين مثل كل صيف، لكنني لم أقدر أن أقلدها مثل هذا الأمر، وتلك الميزة، لأنها بصدق كانت تشبه أي مجند برتبة دنيا، حاول معه أبي آمر السرية حينها أن يدربه على الضبط والربط لكي ينفع نفسه، ويترقى إلى رتبة أعلى، فلم يستطع، نفس ذلك الأب العسكري الآمر، كان يريد أن يزج بي في بريطانيا في عمر مبكر أكثر من الآن، لولا دموع المرأة الصغيرة الساكنة مقلة ''العين'' مكتفياً بتقطيبة استقرت بين عينيه، وبهزة من رأسه تنبئ بعدم اقتناع بتربية النساء وحدهن· كذلك ''مدام ديفيد'' لم أشعر أنها أعجبت بي يوماً، والتي كانت تشعرني أنني ولد لم يتبع تعليماتها، ولم يمتثل لأوامرها مرة واحدة، ولا يعود من مدرسته إلا وثيابه مباشرة إلى الغسالة العجوز التي تشارك الزوجان في ثمنها المبالغ فيه حينذاك· في لحظات التأمل والتفكير غفت عينا جيسون، والقطة الرمادية بدأت عيناها تومضان بكسل مقنع، مقرراً إن تشاجرتا في ذلك السكون أن أرمي التي أقدر على مسكها أولاً من الشرفة الوحيدة لذلك المنزل، غير واضحة المعالم، إن كانت للشمس أو هي لنشر الغسيل، أم هي مستودع مؤقت لأشياء غير ضرورية·· وغداً نكمل!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء