ظللت طوال عمرك ترى في الفضفضة حلّاً وخير وسيلة لعدم الموت، وكنت تقول «لولا الفضفضة لطقّ الإنسان ومات» ولكنك في ذلك اليوم الذي بلغت فيه الثالثة والسبعين من عمرك، لم تستطع أن تفضفض ففاضت روحك، وفاضت دموع محبيك من «الغلابة» الذين كنت منهم، فأوقفت تلك السكتة الدماغية مسيرة أحد «غلابة» مصر الشرفاء الذين لم ينالوا حقهم في حياتهم على الرغم من أنك ألفت أكثر من سبعين كتاباً من النقد والقصة القصيرة والرواية والمسرح والبحث والكتابة المقالية وفن «البورتريه القلمي» الذي برعت فيه.. ودعت الحياة وأنت ممسك بقلمك، رفيقك الذي لم تخنه يوماً فقد كنت وفياً له بأن تسبر مأساة وقضايا الشعب فغصت في قاع طبقات المجتمع باحثاً عن أولئك المنسيين فداعبت أحلامهم، بل سكنت في المقابر مع أولئك الذين ضاقت بهم الأرض فلم يجدوا غير المقابر ليموتوا كل يوم ألف مرة، وربما حال من يسكنون على قبورهم هي أفضل بكثير من حياة هؤلاء الأحياء الذين هم في تعداد السكان أحياء ولكنهم حقيقة موتى.. ويبدو أنك قد قررت أن ترتاح إلى جانب من آنستهم وأنسوا بك من قبل من أهل القبور، لعلك تنعم بالراحة التي لم تعرفها يوماً فقد كنت دوماً مهموماً بالكتابة وهمومها، فما تخلفت يوماً عن مقالك اليومي، في مجلة الإذاعة والتلفزيون وربما كانت صدمتك حين وجدت المجلة التي تكتب فيها ملقاة في الشارع يدوسها المارة، ولم تجد عزاء حقيقياً حين وجدت آكل سندويتش الطعمية يقرأ مقالك من خلال الورقة التي لفّت بها السندويتش، ويبحث عن تتمة مقالك .. كنت من «الشطار» الذين نقدوا ولم يجرحوا، ولكنك لم تكن «سارق الفرح» بل زارعه في قلوبنا كما فعلت في «قداس الشيخ رضوان»، وعريت «الأوباش» وثبتّ في مكانتك الراسخة بين أقرانك فكنت «الوتد» الذي لا يتزحزح عن قناعاته، وعروة وثقى من «العراوي» وفرعاً من فروع الصبر و»فرعي الصبار»، فاح عطر قلمك في «نعناع الجناين»، وكنت بحق «صياد اللولي» الماهر الذي لا يعرف غير لؤلؤ الكلام، ظللت من «المخربشين» الذين يبحثون دوماً عن الأفضل وينفضون الغبار عن الذهب العتيق، حاربت «الدساس» وقلت «أشياء تخصنا» وتخص أبناء مصر كلها، ولكنك رحلت عند «المنحنى الخطر» لأم الدنيا.. أفرحتنا يا «صاحب السعادة اللص» الشريف الذي ظل يسرق الابتسامة ويزرعها فرحاًً في القلوب.. رحلت وفي نفسك أمنية بأن ترى مصر بدأت تشق طريقها، وخانتك في تلك اللحظة الكلمات لتفضفض لآخر مرة في حياتك.. من يرسمك اليوم في «بورتريه» يا أكبر من أي صورة ترسم.. وداعاً شيخنا «سارق الفرح» خيري شلبي .. وها نحن نفضفض. Esmaiel.Hasan@admedia.ae