في أواخر عام 1969 تسلمت أول راتب في حياتي، ليس كموظف وإلا سيجزم كثير من القراء بأنني من مواليد سنة “سكتو” أو أنني في عمر يدقون لي فيه الماء من كبر سني أو أنني ألوك “لبان الملائكة” لفرط عجزي وهرمي، حين يصبح الإنسان أدرد بلا أسنان، لكنني في حقيقة الأمر، كنت في الصف الثاني الابتدائي، وكان يدفعون للطلبة وخاصة في مشروع الشيخ زايد والذي كان يعرف بـ مدارس الأولاد أو مدارس الثقافة التي أسسها الإنجليز في قوة دفاع أبوظبي، حيث كانت تقوم على اختيار المواطنين كطلاب عسكريين منتخبين، وضمهم للمدارس للتعليم المنهجي والتدريب على حياة العسكرية، وأعتقد أنها كانت تجربة مهمة في حياة الإمارات، وخاصة أبوظبي في ذاك الحين حيث رفدتها بالقياديين في مختلف مؤسسات المجتمع فيما بعد، كانت مدرستنا تقع ضمن ما يعرف بمعسكر آل نهيان اليوم، حيث قامت مكانها الآن العمارات والفيلل، وتسوت الأرض بعدما كانت كثباناً رملية وأشجاراً وحشية تقاوم الملح وقلة الماء وحرقة الشمس، وشبكاً حديدياً على الأطراف كنا نشق فيه مقدار خروج جثة صغيرة هروباً إلى السينما حين كبرنا قليلاً أو حضور “سيرك عاطف” في نادي الأهلي، الوحدة حالياً.
المهم.. كان أول راتب تسلمته عن 25 يوماً من التعلم والتدريب يساوي ثلاثة عشر ديناراً بحرينياً ومائة وخمسين فلساً، يومها أخذني أبي إلى السوق القديم في أبوظبي القديمة، ومررنا بمحلات لأناس كان يعرفهم، وظل تأخذه سالفة، وترده سالفة مع أولئك الذين في عمره دون الخمسين، أتذكر بعضهم كان يلبس صديري مثل مطوعنا ومختنا درويش بن كرم، ما يميزه عنهم فقط عقاله الأبيض، كانت روائحهم دهن الورد أو دهن العود أو بقايا من دخون العود، توقف كثيراً عند حفيز عبد الجليل، وعمير بن يوسف ودكاكين لأشخاص هم اليوم من كبار التجار، ما كنت أعرف أسماءهم مثلما أعرفها اليوم.. كان يصيبني بعض الملل لأنني أريد أن أرى السوق لوحدي وأشترى “برميت أبوظبي” وأفرح بشيء أريد أن أحققه لأول مرة في حياتي، شراء ساعة “أعشّيها بعد المغرب” لتظل تدور دورتها ولا تتوقف، ووضعها في اليد حيث كان صغار يعتقدون أنها مبلغ للرجولة، والتشبه بالكبار، وهو يظل يجر ضحكاته مع الناس الذين يعرفهم، ويتذاكرون أشياء حصلت هنا وهناك، ومرات كانوا يتغامزون على أشياء نسائية، كانت تضحك قلبي وأدركها ولكن لا أفهمها، وأذكر يومها أني تعبت من الانتظار والتوقف في كل مكان، ثم وصلنا إلى محل محمد رسول خوري- على ما أظن- وقال لي ماذا تريد أن تفعل براتب أول شهر؟ وكان يعرف، فقلت أريد أن أشتري ساعة من التي تضيء بالليل ولا يدخلها الماء! نكمل غداً..



amood8@yahoo.com