قد نكون اليوم بحاجة إلى المطالبة بحقوقنا من المرأة، بعد أن أثبتت وجودها ونجاحها في رفد المجتمع الإنساني بدماء جديدة من العطاء، وإنجازات لا تقل عن إنجازات الرجل، ولكن بعض المجتمعات وفي هذا القرن الحادي والعشرين ما زالت تنظر للمرأة بمنظور مختلف، كـ «ضلع قاصر» أحياناً أو كـ «عار» أحياناً أخرى، وتسوّد الدنيا في وجوه الأب والأم حين يرزق الواحد منهم بنتاً! وللأسف البعض من الناس يعيّرون الآخرين ممن رزقوا بالبنات، بذلك وكأن البنت عار، فيفضلون الابن على البنت، ويميزون في المعاملة بين الابن والابنة، فيعطون الابن ويحرمون البنت، يدرسون الابن إلى المراحل العليا ويحرّمون ذلك على البنت. وفي ذلك ظلم وتعسف، فالبنت ريحانة الوالدين، والبيت الذي ليس فيه بنات لا توجد فيه كما يقال حنان «حنّية»، فما أحنهن على الوالدين، وما أروعهن في السرّاء والضرّاء، فالبنت مهما كانت سعيدة مع زوجها وأبنائها، فإنها تظل معلقة القلب والوجدان بأهلها، والداها وإخوتها وأخواتها. وتبقى متعلقة بأبيها وأمها بعد زواجها، وكثيراً ما تحدث الخلافات بين الزوجين بسبب ذلك. قال الشاعر أحمد شوقي في حب البنات وفضلهن: أبا البنـــات، رُزِقتهـــنَّ كرائمـــــاً ورزقــت فـي أصهـــاركَ الكَرمــاءِ لا تذهبنَّ علــى الذكـور بحســــرةٍ الذَّكــــرُ نــعمَ ســـلالة العظمــاءِ وأرى بُناة المجــد يثلـمُ مجدهــم ما خلَّفــوا مــن صالــح وغشـــاءِ إنَّ البنــــات ذخائـــرٌ من نعمـــةٍ وكــؤوس حــبِّ صـادقٍ ووفــــاءِ والســـــاهرات لعِلَّــــةٍ أو كبـــرةٍ والصابــــراتُ لشــــــــدة وبـلاءِ والباكياتــك يوم ينقطــع البكــاء والقاصداتـــك في العــراء النـائي والذاكراتـــك ما حُييـــــن تحدثــاً بســـــــوالف الأخبـــــــار والآراءِ بالأمــس عزَّاهــنَّ فيــك عقائــلٌ واليــــوم جاملهـنّ فيـــك رثــائي أجزعن أن يجـري عليهــن الــذي من قبلهن جـــرى علـى الزهــراءِ؟ عذراً لهن إذا ذهــبن مــع الأسـى وطلبن عند الدمع بعـــض عــزاءِ ما كـــــل ذي ولــد يســمَّى والداِ كـم مـن أب كالصخــرة الصمــاء هبهنَّ في عقل الرجــال وحلمهــم أقلوبهـــن ســوى قلــوب نســاءِ يقول الصاحب بن عباد في هذه التهنئة اللطيفة ببنت ولدت لبعض أصحابه: «أهلاً وسهلاً بعقلية النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، والمبشّرة بإخوة يتناسقون، بخباء يتلاحقون: فَلَــوْ أَنْ النِّسَـــاءُ كَمِثْــــلِ هـذِي لَفُضِّلَـــتِ النَســـَاءُ على الرِّجَــالِ فما التأْنِيثُ باسْمِ الشَّمْـس عَيْبٌ ولاَ التذْكِيـــرُ فَخْـــــــرٌ لِلهــــلاَلِ فادَّرعْ يا سيدي اغتباطاً واستأنف نشاطاً، فالدنيا مؤنثة والرجال يخدمونها والذكور يعبدونها. والأرض مؤنثة، ومنها خلقت البريَّة وكثرت الذرية. والسماء مؤنثة وقد زُيِّنتْ بالكواكب وحليتْ بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عُرف الأنام. والجنة مؤنثة وبها وُعِدَ المتقون ولها بُعثَ المرسلون. فهنيئاً لك ما أوليت، وأذرعك الله شكر ما أعطيت، وأطال الله بقاءَك ما غُرِف النسل والولد، وما بقي الأمد، وكما عُمِّر لُبَدْ. ولا تغيب عن الوجدان أبيات حطان بن المعلا: أنْزَلَنِــــي الدَّهْـــرُ عَلـــى حُكْمِـــهِ مــِنْ شـــَامِخٍ عَــالٍ إلــى خَفْــضِ وغَالَنـــــي الدَّهْــرُ بِوَفْــر الْغِنـــى فَلَيْـــسَ لِي مــَالٌ سِــوَى عِرْضِــي أبْكَانــــيَ الدَّهْرُ وَيَـــــا رُبَّمَــــــــا أضْحَكَـــنِي الدَّهْــرُ بِمَـــا يُرْضِــي لَوْلاَ بُنيَـــــــّاتٌ كَزُغْـــبِ الْقَطَـــا رُدِدْنَ مِــــــنْ بَعْــضٍ إلَى بَعْــضِ لَكــانَ لِــي مُضْطَــــرَبٌ وَاسِــــعٌ فِي الأَرْضِ ذاتِ الطُـــّولِ وَالْعَرْضِ