يقول البعض تعليقاً على ما يرون في نشرات الأخبار وفي الصحف “العالم يعيش أيامه الأخيرة” أو “نحن نعيش آخر الزمان” هو نوع من المقاربات أو المبالغات الميتافيزيقية أو الماورائية، لأنه لا أحد يعلم متى ينتهي العالم ولا متى هي أيامه الأخيرة، لكن للصبر وللعقل الإنساني حدودا قصوى على احتمال البشاعة والقسوة، ولذا فهو حين يعجز عن الاحتمال وحين يغلبه ما يرى ويسمع، ويشعره بتمام العجز والقهر، يرتد إلى نقطة بعيدة في أعماقه تنقذه مما يحيط به، فيرد ذلك كله لعلامات انتهاء العالم وقيامة الكون، ذلك أن النص الديني حول علامات آخر الزمان يذكر تزايد القتل والهرج والمرج و. . . ولكن ! متى خلا تاريخ الإنسان من القسوة والبشاعة والقتل أساسا؟ ألم يبدأ التاريخ الإنساني بالجريمة؟ ألم يكن القتل أول الجرائم على الأرض، وثاني المعاصي بعد عصيان آدم لربه؟ وبعيداً عن هذا فإن صفحات التاريخ الراشحة بالحروب والقلاقل والثورات وأعمال القتل الجماعية، تدل على أن الأصل في تاريخ الانسان هو الاقتتال والصراع وأن الاستثناء هو السلام والوئام، والدليل هو أن تقارير الأمم المتحدة وحقوق الإنسان حين أحصت فترات الهدوء واللا حروب في تاريخ الإنسان خلال القرن العشرين، وجدتها أياماً معدودة هي تلك التي خلت فيها الكرة الأرضية من أية أعمال اقتتال وتوترات وحروب وثورات عالمية أو طائفية أو قبلية أو . . . لهذا أسس الإنسان منظمات ومؤسسات لإقرار السلام، وأنشأ قوات لحفظه وحراسته والسهر عليه، ووظف رجالاً من ذوي الكفاءات العالية من كل أقطار العالم لإدارته والركض في جهات الكرة الأرضية لإقراره والبحث عنه، وبذل كل الجهود لتكريسه وترسيخه بين الأطراف المتحاربة والمتنازعة، ولو أن السلام هو الأصل وهو الطبيعة الإنسانية لما كان كل ذلك، إن هذه الحروب وانعدام السلام الذي يملأ حياة البشر سببه تلك الخطايا المميتة التي تتحكم في حركة البشرية (الجشع والطمع والحقد والشره والكسل والشهوة والغضب) كما جاء في كل الديانات، ولأنها تحكم حركة الدول والأفراد اليوم بشكل متزايد، فإن الحروب تصبح نتيجة طبيعية. إننا ونحن نتابع هذا الذي يجري من حولنا نستشعر وبعمق وامتنان نعمة السلام والأمن الذي نعيشه على أرضنا وفي وطننا، ونفتخر بأن الإمارات قد اختيرت ضمن أكثر الدول أماناً على مستوى العالم، وهو اختيار يجعل الإمارات في مصاف دول عالية الأمان والتحضر الإنساني كـ (سويسرا، النمسا، فنلندا، النرويج، ايسلندا)، ما يدعم حقيقة أنك حين تصر على بلوغ المراتب العالية في الإنجاز الإنساني، فإنه من المهم أن تعمل بطريقة متوازنة ومتوازية ومتقاطعة أيضا، فتتكامل إنجازاتك السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية. . . الخ. إن الحضارة إنجاز متكامل غير ناقص وغير مشوه وهو أولا وأخيراً لخدمة الإنسان حيثما كان، ولهذا فإن الدول الأكثر أماناً اليوم ومن ضمنها الإمارات تشهد استقطاباً بشرياً هائلاً من كل العالم، على اختلاف هذا الاستقطاب، إن في الكفاءات البشرية، أو في رؤوس الأموال، أو السياحة أو الدراسة، ذلك أن الإنسان منذور للحياة ومخلوق للعمل والتعمير وليس للخراب، وأن الذين يسخرونه للدمار إنما يستغلون ويوظفون أسوأ ما فيه لخدمة أجنداتهم ومخططاتهم وشهوات الطمع والحقد والشراهة فيهم.