عندما يتحدث علي بو جسيم في هموم وأوضاع الكرة، فإنه يوجز، ويصيب كبد الحقيقة، وقد عودنا على الصراحة في كل المواقف حتى عندما كان حكماً محلياً أوعالمياً فكان أول من ينتقد نفسه إذا اتخذ قراراً «بغير قصد» لم يحالفه التوفيق فيه، وكان يعترف بشجاعة، والأمثلة كثيرة على ذلك طوال تاريخه المشرف. وعندما تابعت تصريحاته بالأمس رأيت فيها الرشد، والوعي، وخبرة السنين، وأكثر ما لفت انتباهي هو الشق الخاص بالاحتراف الإداري الغائب عن ملاعبنا. . وأنا أقرأ تصريحات حكمنا الدولي رفعت رأسي إلى أعلى مغمض العينين، وبدأت أفكر بعمق في مصطلح «الإداري الرياضي المحترف»، ما هي الدراسات العلمية التي يحصل عليها؟، وما هي معايير اختياره في أي فريق أو ناد أو اتحاد؟، وما هي المعايير العلمية لتقييم أدائه حتى نحكم عليه ناجحاً أم فاشلاً؟، وما هي المؤسسات التي تمنح شهادات الإداري المحترف بعد أن يتجاوز دراساته فيها؟ وهل هو متفرغ؟ أم أنه يأتي في المساء لشغل وقته؟، ثم فتحت عيني على الواقع الأليم، الإجابة «لا شيء»، لا شهادات علمية، ولا مؤسسات تعليمية تختص بتخريج الإداري الناجح، ولا دراسات خاصة في أي من الجامعات، ولا تفرغ، ولا معايير علمية لقياس مستوى الأداء، ولا حتى دورات تدريبية تأهيلية من المؤسسات المعنية بهم، للأسف الشديد وجدتها أكبر وأوضح «لا» في المشهد الرياضي الحالي. فالمدرب له دراساته التأهيلية في الداخل والخارج، وله الرخصة المتدرجة، ثم يقاس نجاحه من عدمه بنتائجه التي يحققها، فضلاً عن قدراته الشخصية في إدارة حياته الاحترافية، كلها أمور معروفة، والحكم كذلك فإنه يتدرج في الدورات التدريبية والشهادات التي إما أن تسمح له بعبور الحواجز حتى يصبح دولياً، أو يبقى في مكانه دون أن يشعر به أحد. والأخطر من ذلك أننا لو وسعنا زاوية الرؤية ونظرنا في مفهوم «الإدارة التنفيذية» في الأندية ومصطلح «المدير التنفيذي» نفسه، فسوف ينطبق عليه الكلام نفسه، فلا شهادات، ولا مؤسسات تمنحها، ولا معايير، ولا كليات متخصصة، برغم خطورة موقعه بالنسبة لكل أركان وأنشطة النادي، قد يكون لدينا بعض المديرين التنفيذين الناجحين، لكننا لا نعرف معايير النجاح والفشل، ولا نعرف لماذا نختار هذا، ونستبعد ذاك!. لقد أقلع قطار الاحتراف في دورينا منذ 7 سنوات، لكنه لم يمر أبداً على محطة «الإداري المحترف» وكأنه سقط سهواً من منظومتنا، وللأسف الشديد لم يتذكره أحد، ولم يمنحه ما يستحقه من اهتمام، حتى وجدنا إداري الفريق يقوم أحياناً بدور المدرب في التعرض للأمور الفنية والحديث فيها لوسائل الإعلام، وأحياناً بدور الطبيب، وأحياناً يضع نفسه مكان اللاعب، وفي كل هذه الأحيان فهو ليس هو، كما يجب أن يكون. وفي النهاية، أشكر حكمنا المونديالي علي بو جسيم على وعيه وجرأته؛ لأنه نكأ لدينا جرحاً كانت تغطيه المساحيق الفاسدة، فلا هي تداويه، ولا تدعه مكشوفاً يدق ناقوس الخطر، ويعلن عن نفسه في كل مناسبة. كلمة أخيرة: كلما كان العقل صغيراً. . كان اللسان طويلاً.